أطيافُ العهودِ الطاهرة
كم كان العيدُ في سالفِ عهدِنا موفورَ البِشر، مترعًا بالمحبّة والإيمان، يهبط على القلوب هبوطَ الغيث على الأرض الظمأى، فيُحيي فيها ينابيعَ الفرح، ويملؤها سكينةً ورضًا. يومَ كان الثوبُ القشيبُ يملأ أعينَنا بهجةً لا تُحدّ، وكانت عيديّةٌ مباركةٌ من كفِّ أبٍ أو جدٍّ أو قريبٍ حانٍّ تُغنينا عن كنوز الدنيا بأسرها، فتُشيع في أرواحنا سرورًا صافيًا لا تشوبه كدرةٌ ولا يُعكّر صفوَه همّ.
كانت الأيامُ يومئذٍ أُنسًا خالصًا، وألفةً وارفةَ الظلال، تلتئمُ شتاتُها على المحبّة، وتنعقدُ أفراحُها حول تفاصيلَ صغيرةٍ عظيمةِ الأثر؛ حول "ماعونِ الكليجة" الذي كانت تطوفُ به النوايا الصادقةُ بين البيوت، وتحفُّه الدعواتُ النابعةُ من سويداءِ القلوب، فتنتقل معه البركاتُ من دارٍ إلى دار، كما ينتقل العطرُ في نسماتِ الصباح.
رعى اللهُ زمانًا كان اللهوُ فيه بريئًا كنقاءِ الفجر، وكانت البهجةُ فيه مقيمةً لا تعرف الارتحال، وكان البالُ خفيفًا من أعباءِ الأيام، لا تُثقله الهواجسُ ولا تُرهقه المخاوف. كنّا نترقّبُ أوبةَ الغائبين بلهفةِ المشتاقين، وننتظرُ قدومَهم انتظارَ الأرضِ للمطر، فإذا عادوا ازدانت بهم المجالسُ، وامتلأت بهم البيوتُ نورًا وحياة. وكنّا نستقبلُ الزائرين بقلوبٍ مشرعةٍ على المحبّة، ونفوسٍ لم تُفسدها الشكوك، فلا كدرَ يعكّر صفوَنا، ولا باطلَ يخدشُ طمأنينتَنا أو ينالُ من بهجةِ أيّامنا.
ورحم اللهُ عهدًا كان الفقدُ فيه نادرَ الوقوع، لا يطرقُ الأبوابَ إلا بعد أن يُتمَّ المرءُ رحلتَه في الحياة، ويستوفيَ نصيبَه من العمر، فتكونُ الشيخوخةُ فيه خاتمةَ المطاف، وقد عركته السنونُ ووشّح الشيبُ رأسَه. وكان المرضُ عارضًا خفيفًا يمرُّ مرورَ السحاب، لا يستوطنُ الأبدانَ ولا يتّخذُ من الأرواحِ مقامًا. أمّا موتُ الفجاءة، فكان غريبًا عن حياتنا، نكرةً لا تعرفُ الطريقَ إلى بيوتِ الطينِ الدافئة، تلك البيوتُ التي كانت تضجُّ بالحياةِ والألفةِ والسكينة.
كان زمنًا بريئًا من غصّاتِ الطلاق التي تمزّق الأسر، وخلوًا من فواجعِ الفراق التي تنكأ الجراح، بعيدًا عن وطأةِ الأمراضِ العُضال التي تستنزفُ الأعمارَ والقلوبَ معًا. وكانت الحياةُ، على ما فيها من مشقّاتٍ بسيطة، أكثر رحمةً وأقلَّ قسوةً وأقربَ إلى الفطرةِ والطمأنينة.
وحتى زيارةُ القبورِ في صبيحةِ العيد، كانت شعيرةً مهيبةً تلبسُ النفوسَ جلبابَ الوقار، وتغمرُها بخشوعٍ صادق. كنّا نمضي إليها حاملين الوفاءَ لمن رحلوا، مستشعرين رهبةَ اللقاء بين الأحياء والأموات في رحاب الدعاء والذكرى، فتفيضُ القلوبُ بالدعوات، وتمتلئ الأرواحُ بالعبرةِ والاتّعاظ، دون أن تثقلها فواجعُ لا تُحتمل.
أمّا اليوم... فقد تبدّلت الأحوال، واستحالت الموازينُ غيرَ الموازين، حتى غدا الرضيعُ يشيبُ رأسُه من هولِ ما يرى، وصار الفتى في شرخِ شبابه يصرعه وجعُ قلبه قبل أن تكتمل أحلامُه، وأصبح المسافرُ يمضي في دروبِ الغربةِ البعيدة راحلًا، لا تُرتجى له أوبة، ولا يُعرف له موعدُ رجوع.
تكاثرت الفواجعُ حتى أثقلت الأرواح، وتزاحمت الخساراتُ حتى ضاقت بها الصدور. فما عاد الفقدُ حدثًا استثنائيًا عابرًا، ولا المرضُ ضيفًا خفيفًا يرحل سريعًا، بل غدت الأوجاعُ جزءًا من يومياتِ الناس، وأصبحت أخبارُ الرحيل تتعاقب على القلوب حتى أنهكتها.
حتى المقابرُ التي كنّا نؤمُّها يومًا بخشوعٍ ووقار، هجرناها اليومَ نفورًا وخشيةً؛ لا خوفًا من الموتِ ذاته، بل خوفًا مما استودعناه فيها من أحبّةٍ وأحلامٍ وذكريات. هجرناها عجزًا عن مواجهةِ ذواتنا فوق ثراها، وعجزًا عن احتمالِ ذلك السيلِ الجارف من الوجوهِ التي غابت وتركت في أرواحنا فراغاتٍ لا يملؤها شيء.
سقى اللهُ تلك العهودَ الطاهرةَ من واسعِ رحمته، وحرس في الذاكرةِ صفاءَها ونقاءَها، ورحم اللهُ وجوهًا كانت تملأ الحياةَ دفئًا ثم غابت، وقلوبًا ما زالت تعيشُ على شجنِ الذكريات، تقتاتُ من عبيرِ الماضي كلّما ضاق بها الحاضر، وتلوذُ بأطيافِ الأمس كلّما أثقلتها وحشةُ الزمن.
فما أقسى أن يتحوّل العيدُ من موعدٍ للقاء إلى موسمٍ للحنين، ومن نافذةٍ تُطلُّ على الفرح إلى مرآةٍ نستعيدُ فيها ملامحَ من رحلوا. وما أشدَّ لوعةَ القلب حين يدرك أن بعض العهود لا تموت لأنها تُنسى، بل لأنها تبقى حيّةً في الذاكرة، نابضةً في الوجدان، تستدعي الدموعَ كلّما مرّت أطيافُها، وتوقظُ في الأعماق شجنًا لا يهدأ، وحنينًا لا ينقضي.
تعليقات
إرسال تعليق