حديثُ اليتيمِ والبقرةِ الوفيّة:


في طرفِ السهلِ الأخضر، حيثُ تتكئُ الشمسُ على كتفِ الغروبِ في رفقٍ وحياء، قامتْ قريةٌ صغيرةٌ كأنّها نغمةٌ منسيةٌ في فمِ الزمن. بيوتُها من طينٍ قديم، وأبوابُها واطئةٌ كأنّها تنحني للريحِ العابرة، وكان الناسُ فيها يعرفُ بعضُهم بعضًا كما تعرفُ الأصابعُ راحتَها.


وفي تلك القريةِ عاشَ طفلٌ يتيم، يُدعى سليمًا. مات أبوه في شتاءٍ قاسٍ، ثم لحقتْ به أمُّه بعده بعامٍ، فصار الصبيُّ يسيرُ في الطرقاتِ كغصنٍ اقتلعتهُ الريحُ قبل أوانه. لم يكن له من الدنيا سوى كوخٍ صغيرٍ عند أطرافِ الحقول، وبقرةٍ هزيلةٍ بلونِ القمحِ اليابس، سماها: “حبوب”.


وكانت “حبوب” أعجبَ ما في حياةِ الصبي؛ إذا حزنَ مسحتْ أنفها بثوبه، وإذا جلسَ عند الساقيةِ تبعتهُ بعينينِ واسعتين فيهما شيءٌ من حنانِ الأمهات. حتى أهلُ القريةِ كانوا يقولون:

“كأنّ اللهَ جعلَ قلبَ هذه البقرةِ ألينَ من قلوبِ كثيرٍ من البشر.”


وفي عامٍ جدبتْ فيه الأرضُ، واصفرّت السنابلُ قبل الحصاد، ضاقتْ الأحوالُ على الناس، وأخذوا يبيعون مواشيهم لينجوا من الجوع. وجاءَ رجلٌ من المدينة، يشتري البقرَ بثمنٍ بخس، فرآى “حبوب” فقال للصبي:

— بِعْني هذه البقرةَ، أُعطِك ذهبًا يكفيكَ شتاءً كاملًا.


نظرَ سليمٌ إلى البقرة، ثم إلى كوخهِ البارد، وكان الجوعُ يعضُّ بطنه عضًّا، لكنه سكتَ طويلًا، حتى ظنَّ الرجلُ أنّه وافق. ثم قال الصبيُّ بصوتٍ خافت:

— إذا بعتُها… فمن يبقى لي؟


فضحكَ الرجلُ ومضى، أمّا سليمٌ فجلسَ عند عنقِ “حبوب” يعانقها، وبكى بكاءً صامتًا، كأنّه يخشى أن يسمعَ الليلُ ضعفَه.


وفي صباحِ اليومِ التالي، استفاقَ أهلُ القريةِ على خبرٍ عجيب؛ لقد وُجدَت “حبوب” واقفةً عند بابِ كلِّ بيتٍ فقير، وفي فمها كيسٌ صغيرٌ من القمح، لا يدري أحدٌ من أين جاءتْ به. وطافتْ هكذا حتى امتلأتْ أيدي الجائعين بما يسدُّ الرمق.


ومنذُ ذلك اليوم، صار الناسُ إذا مرّوا بكوخِ اليتيم، تركوا عند بابه خبزًا أو تمرًا أو حطبًا، وقالوا:

“من كانتْ بقرتُهُ تعرفُ معنى الرحمة، فلا يليقُ بالناسِ أن ينسوا صاحبَها.”


وكبرَ سليم، وكبرتْ معه الحكاية، حتى صار الشيوخُ يروونها للصغار في ليالي الشتاء، ويقولون:

“قد يجعلُ اللهُ في قلبِ حيوانٍ ما لا يجدهُ المرءُ أحيانًا في قلوبِ البشر.”


محمد الامين بشير الجزائري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة