سفينة الخيال


وفي ليلتي الرابعة ذهبتُ إلى شاطئ الخيال متأخرة وجدتُ سفينتي راسية، فوقفتُ شاردة.. الكون كله سكون... لا أقدام.. لا عيون.


وبعد قليل، لمحتُ هناك على الرمال امرأة جالسة، فاقتربتُ قليلاً كي أتأكد أهي حقيقة أم كانت غريقة؟ فوجدتُها الفتاة صاحبة الدمعة رفيقتي الجديدة، فقلتُ لها: أأنتِ؟ قالت: نعم، أنا انتظرتُ كثيراً ولم يأتِ أحد، فجلستُ على الرمال أبني لي بيتاً. فقلتُ لها: ما أجمل بيوت الرمال، كلها آمال مثلها مثل الأحلام، سرعان ما تنهدم.. قالت: نعم هذه هي الحقيقة.. قلتُ: وما هي حقيقة أحلام صاحبة الدمعة يا تُرى؟


تنهدت وقالت: أنا فتاة جميلة وأعيش حياة مريحة، أعمل عملاً خفيفاً في النهار، وفي المساء أحب الاختلاء بنفسي والأحلام، أو الجلوس مع بعض الرفاق.. تبدو حياة مملة ورتيبة مثلها مثل الحقيقة. قلتُ: تمر الأيام والليالي ويصبح حالكِ مثل حالي.. أنا صاحبة السفينة، أنا أميرة الليل، كل النجوم رفاقي والقمر سيدهم، يحكي لي كل ليلة كم عاشق أرسل معه رسالة لغاليته، وأسأله نفس السؤال: وأنا، ليس لي من رسائل؟ فيقول: لا. فأضحك على حالي وأحياناً تسقط دمعة، قطرة واحدة، لكنها تحمل حزناً يملأ عمق المحيط.. فقالت: لستُ وحدي صاحبة الدمعة، وسكتت.


ثم قالت: هيا نركب معاً السفينة. قلتُ: هيا، فركبنا، وقلتُ لها: أغمضي عينيكِ، فأغمضت. ثم قالت وكأنه يقف أمامه : لأول مرة أعرف معنى الحب.. لأول مرة أعرف ما هو الكائن الذي يسمى رجلاً.. لأول مرة أسمح لرجل بالاقتراب مني وأترك نفسي بلا قيود، وأصدق كل وعد بل كل كلمة، وأفرح، والفرحة جنة. وتنهدت ثم قالت: كنتُ أعيش معك بنبض قلبي، بلهفة روحي، وكأني خلقتُ منك وإليك.. أنت الكل الكبير وأنا الجزء الصغير، أحتمي فيك وأمشي في ظلك مخافة أشعة الشمس وفي الغيوم. وبعد مرور سنين، وفي يوم ما لا أعلمه، أزعجتني مياه كنتُ أشعر بها وأجبرتني على الاستيقاظ، فوجدتُ نفسي نائمة على شاطئ البحر في النهار، وحمدتُ ربي أن لا أحد يراني، وعلمتُ أنني كنتُ أعيش حالة من الهيام وحدي.. وسقطت من عينها دمعة ثم فتحت.


لا أعلم ماذا أقول لها، فطبقاً لقوانين الإبحار في بحر الخيال أن لا تعليق في أي حال من الأحوال؛ من يركب السفينة ويعتلي المسرح يقوم بدوره ولا أحد يصدر صوتاً، نحن نستمع وفقط. لكن بمنديل لونه بلون الورد معطر بعطر العود جففتُ الدمعة وابتسمنا لها فابتسمت، وقالت لي: هيا أغمضي عينيكِ، فأغمضتُ عيني في الحال. وسرعان ما تحركت بي السفينة، وهذه المرة وجدتُ نفسي أمشي في الدروب في زمن قديم وبيوت من الحجر، وأنا من عامة الشعب أرتدي ثياباً قديمة لونها غير واضح، لا أعلم كنتُ أبحث عن ماذا؟ عن خبز أم عن علم؟


وقالت لي سيدة فقيرة: اجلسي هنا، سيأتي حرس الحاكم ويضربوننا لكن ضرباً خفيفاً تنفيذاً للأوامر، فجلستُ من ناحية الداخل وجعلتُها من الخارج أمام مبنى فخم في عصر من العصور الإسلامية القديمة، وجاء الحرس وضربونا ضرباً خفيفاً ثم رحلوا. وقالت السيدة: هيا نذهب إلى هذا البيت الذي أمامنا، فيه طعام كثير، سيأتي "الكعبي" ونعيش في ظله فهو يكرم أمثالنا. فنظرتُ لها ولم أُجِب، ثم ذهبتُ بعيداً وأكملتُ الطريق.


وفتحتُ عيني فوجدتُ نفسي أمام الفتاة تنظر لي والدهشة تملأ عينيها، فقلتُ: انتهى الليل سريعاً وها هو الفجر قادم.. هيا بنا، وعلى وعد بلقاء غداً.

بقلمي/ ليلى رزق  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة