فيزياء الحقد

بقلم الجباري نورالدين

هناك مشاعر تمر في النفس مرور الظل، ثم تتلاشى دون أثر، وهناك مشاعر أخرى تتحول مع الزمن إلى طاقة معتمة تسكن الأعماق وتعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى العالم. والحقد واحد من أكثر الانفعالات النفسية تعقيدا، لأنه لا يكتفي بإيذاء صاحبه من الداخل، بل يحاول أن يمتد نحو الآخرين في هيئة نظرات وكلمات ومواقف مشحونة بالرغبة في الإلغاء.

ولعل التعبير القرآني في قوله تعالى:

﴿وان يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم﴾

يكشف بعدا عميقا في فهم الطبيعة الإنسانية، حيث تتحول العين من أداة للرؤية إلى منفذ تبث عبره اضطرابات النفس واختناقاتها الخفية. فالنظرات ليست دائما بريئة، إذ تحمل أحيانا شحنات رمزية تختزل ما تعجز اللغة عن قوله.

إن الحقد ليس مجرد انفعال عابر، بل اختلال داخلي في علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. فالشخص المتصالح مع نفسه لا ينزعج من نور غيره، لأنه يدرك أن الوجود يتسع للجميع، أما الذي يعيش فراغا داخليا فإنه يرى في نجاح الآخرين تهديدا صامتا يكشف هشاشته وعجزه. ولهذا يحاول أن يقاوم كل ما لا يستطيع بلوغه، لا بالفعل دائما، بل بنوع من العداء الصامت الذي يفيض عبر الملامح ونبرات الصوت ونظرات العيون.

ومن منظور وجودي اعمق، يبدو الحقد وكأنه صورة من صور الانهيار الوجودي، حين يفقد الإنسان القدرة على صناعة معناه الخاص، فينشغل بهدم المعنى عند الآخرين. لذلك يصبح الحاقد أسيرا لمقارناته الدائمة، يراقب حياة غيره أكثر مما يعيش حياته، ويستهلك روحه في تتبع أنوار لا يملك القدرة على إشعال مثلها داخله.

غير أن أكثر ما يثير التأمل، أن الأرواح الكبيرة لا تتوقف عند هذه الطاقات المعتمة، بل تستمر في مسارها بثبات. فالنور الحقيقي لا تطفئه نظرات الكراهية، والقلوب الممتلئة باليقين لا تسقط أمام عواصف الحقد، لأن ما ينبع من الداخل أعمق من أن تهزه ظلمات العيون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة