ظُهُورٌ لَمْ تَحْمِلِ الْمَحَافِظَ
فِي آخِرِ الزُّقَاقِ،حَيْثُ الْبُيُوتُ تَتَّكِئُ عَلَى التَّعَبِ،كَانَ سَالِمٌ يَجْلِسُ كُلَّ صَبَاحٍ فَوْقَ حَجَرٍ بَارِدٍ،يُرَاقِبُ الْأَطْفَالَ وَهُمْ يَعْبُرُونَ الطَّرِيقَ نَحْوَ الْمَدْرَسَةِ.كَانَتْ ظُهُورُهُمُ الصَّغِيرَةُ تَحْمِلُ مَحَافِظَ مُلَوَّنَةً،تَهْتَزُّ فَوْقَ أَكْتَافِهِمْ كَأَنَّهَا أَجْنِحَةٌ تَأْخُذُهُمْ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ…عَالَمٍ لَا يَعْرِفُهُ.
أَمَّا ظَهْرُهُ،فَكَانَ خَفِيفًا مِنَ الْحَقَائِبِ،ثَقِيلًا مِنَ الْحَيَاةِ.
لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ يَوْمًا لِمَاذَا لَمْ يَدْخُلِ الْمَدْرَسَةَ،فَالْفَقْرُ كَانَ يُجِيبُ بَدَلًا عَنْهُ.وَحِينَ مَاتَ وَالِدُهُ،صَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ أَكْيَاسَ الْإِسْمَنْتِ بَدَلَ الدَّفَاتِرِ،وَأَنْ يَحْفَظَ أَسْعَارَ الْخُضَرِ بَدَلَ الْحُرُوفِ،وَأَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَقِفُ طَوِيلًا تَحْتَ الشَّمْسِ دُونَ أَنْ يَشْتَكِيَ.
كَبُرَ سَالِمٌ سَرِيعًا،لَكِنَّ شَيْئًا دَاخِلَهُ ظَلَّ نَاقِصًا.
كَانَ يَسْمَعُ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْعَالَمِ؛عَنِ الْأَخْبَارِ وَالسِّيَاسَةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا وَالْجَامِعَاتِ وَالْكُتُبِ…فَيَهُزُّ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَفْهَمُ،بَيْنَمَا الْكَلِمَاتُ تَمُرُّ أَمَامَهُ كَطُيُورٍ لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا.
وَكَانَ يُؤْلِمُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْخَرُونَ مِنْ جَهْلِهِ،دُونَ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ الْجَهْلَ أَحْيَانًا لَيْسَ اخْتِيَارًا،بَلْ قَدَرٌ ثَقِيلٌ.
وَفِي الْمَسَاءِ،حِينَ يَعُودُ مُتْعَبًا،يَرَى أَبْنَاءَ الْحَيِّ يَكْتُبُونَ وَظَائِفَهُمُ الْمَدْرَسِيَّةَ تَحْتَ الضَّوْءِ،فَيَشْعُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَجْوَةً هَائِلَةً،أَكْبَرَ مِنَ الشَّوَارِعِ وَالْمُدُنِ.فَهُمْ يَعِيشُونَ فِي عَالَمٍ يُدْرِكُ مَا يَجْرِي حَوْلَهُ،عَالَمٍ يَقْرَأُ وَيَفْهَمُ وَيُحَلِّلُ،أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَعِيشُ دَاخِلَ ظَلَامٍ هَادِئٍ،حَتَّى وَإِنْ أَقْنَعَ نَفْسَهُ أَحْيَانًا بِأَنَّهُ يَعْرِفُ.
وَذَاتَ لَيْلَةٍ،أَمْسَكَ صَحِيفَةً قَدِيمَةً وَجَدَهَا قُرْبَ الْمَقْهَى،وَظَلَّ يُحَدِّقُ طَوِيلًا فِي الْكَلِمَاتِ.كَانَتِ الْحُرُوفُ أَمَامَهُ كَالْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ.
حِينَئِذٍ فَقَطْ،وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهَمَسَ بِحُزْنٍ:
“لَيْتَ هَذَا الظَّهْرَ حَمَلَ يَوْمًا…مَحْفَظَةً.”
فاروق بوتمجت
تعليقات
إرسال تعليق