وقع نظرها على قفة الحلفاء فاستدارت بكل اهتمام لتسأل البائع عن الثمن ، دفعت الثمن بكل سرور و شكرت البائع و غادرت السوق تحث الخطى نحو منزلها وضعت كنزها على الطاولة و راحت تتأمله و تدفقت الذكريات سريعا و انسابت بين ثنايا مخيلتها فإذا بها بين أحضان الطفولة .... تكاد تشتم رائحة التربة و تلامس كفيها، عبق لا يضاهيه أي عطر من عطورات اليوم المصنعة ..عطر طبيعي ممزوج برائحة عرق الكادحين ...و تراءى لها مشهد رائع حلو المذاق : مشهد يتكرر كل يوم ثلاثاء ..يوم السوق الأسبوعية في مدينة حاجب العيون و هو يوم عظيم جميل ليس ككل الأيام .يوم تتعلق فيه أنظار الاطفال و النسوة بالطريق التي تربط بين" الدوّار "و المدينة في انتظار الرجال العائدين من السوق المحمّلين بالمؤونة لذلك الاسبوع فكنا نصعد الربوة مرارا نطلق بصرنا بعيدا علّنا نظفر بعودة آبائنا من السوق و لم يكن يعنينا من رجوع " السوّاقة" -مع إضافة نقطة فوق القاف- غير حفنة تمر نحضى بها أو قطعة حلوى حمصيّة نتلذذ بها أيّما لذّة يالها من ذكريات لا أودّ إيقاف سيلها ...كأنني أرى والدي الآن- رحمه الله - يقف بجانبي و يمد يده الى "سنّاج الحلفاء" و يضع في يدي حفنة تمر "عليق" قائلا:" كولي شوية التمر للّي نوصل الدار و هاني راجعلكم تو نسرح نا بالعلاليش و أنتم روّحوا" ... و كم كانت تغمرنا الفرحة لسماع هاته الكلمات... تتسارع دقات قلوبنا  حين نسأله هل اشترى دجاجة "قرقوريّة" ويجيبنا بنعم فنحضن بعضنا انا و أخي فرحا :" جوْ الليلة العشاء بالزهومة."...و تزداد فرحتنا حين نرى خالي رحمه الله يجر حماره القصير المشوب بحمرة أكاد أميّزه عن أحمرة القرية كلها ...كيف لا أميّزه و هو يحمل ما لذّ و طاب من "المسواقة" و كان الخال كريما معطاءا رغم قساوة الظروف ...يبادرنا بالتحية و يعرض علينا بعضا مما عنده فنتظاهر بالخجل و لسان حالنا يقول ليته يكون جادّا في عرضه ....نلتهم الخبز و التمر و يتركنا خالي سائقا حماره في المسلك الضيّق بين الصبّار مترنّما زاهيا و كأنما حيزت له الدنيا و ما فيها...وكان كلما مر تحت شجرة التّين انحنى تحسّبا رغم قصر قامته فنضحك و يضحك ...و في المساء تفوح رائحة الكسكسي في جلّ المنازل رغم بساطة مكوناته و قلّة تكلفته إلا أنه أشبه بطعام من الجنّة باركته يد أمّي -رحمها الله و غفر لها-

. تطول السهرة العائلية لهذا اليوم و تكثر النكت و الحكايات و الأحجيات و نضحك ملأ قلوبنا و للشاي حضور لا مثيل له في بيوتنا فيُطهى على الجمر بكل عناية و تلتف العائلة حول الموقد... و كان والدي يقول لأمي "قرّبي "السنّاج" خلي نعطيهم شويّ برتقان " فتهمس أمي: "خلّيلهم شوي لغدوة كل شي يوكلوه في نهارو؟".. فيردّ مصرّا:"خلّي صغاري يوكلو نا على أشكون نخدم و اشكون ضامن عمرو لغدوة" و كانت كلماته تجعلني أحس بالانتصار و الظَّفَر .

كان اقتناء قفة الحلفاء أو "السّنّاجْ" بلهجتنا قادحا لاستحضار أجمل و أروع الذكريات ...ذكريات ممزوجة برائحة التربة و التبن و الحلفاء...ذكريات بلذّة "المسواقة" رغم بساطتها ...ذكريات بعطر أمي و عرق أبي و أهازيج خالي ...ذكريات تأبى أن تمّحي فأسترجعها لأطوف بين ثناياها و أطارد وجوها أرِمت لكنها لاتزال محفورة بين اظلعي ...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة