النعمة التي لا تُدرك إلا بالغياب


ثمّة حالاتٌ لا تدخل القلب كفرحٍ صريح، بل كطمأنينةٍ خفية.

لا تُعلن اسمها، لكنها تُقيم فينا بهدوء.

تمرّ كهواءٍ معتدل لا نراه، لأنه لا يؤلم.

وكضوءٍ ناعم لا نلتفت إليه، لأنه لا يبهر.


نمرّ بها كشيءٍ بديهي.

حتى تختفي… فنكتشف أنها كانت تحفظ توازننا دون أن ندري.


السعادة ليست دائمًا ذروةً لامعة.

أحيانًا تكون فيما لا يُرى:

في صوتٍ نألفه حتى يصير جزءًا من صمتنا.

في حضورٍ يوسّع الحياة دون أن يعلن نفسه.

في يومٍ عابر يمرّ بلا ثقل.


نحن لا ننتبه لها لأنها لا تصرخ.

بل تُبقي الداخل مستقرًا.

والاستقرار لا يلفت النظر.

لأنه لا يطلب إثباتًا.


نظنّ الأرض صلبة بطبيعتها.

ولا نفكر أنها كانت تحملنا طوال الوقت.


لكن الغياب لا يأتي دائمًا من الخارج. أحيانًا ننسحب من التفاصيل قبل أن تغادرنا. نفقد الإحساس بما كان يطمئننا، ثم نظنّ أن الأشياء هي التي تغيّرت. بينما الحقيقة الأعمق: أن ما تغيّر أولًا… كان نحن.


وحين تغيب التفاصيل الصغيرة… يتبدّل كل شيء.

لا انهيار.

بل ارتباك هادئ.

فراغ بلا تفسير.


ثم يحدث الانكشاف الصادم:

ليس الغياب هو الصدمة، بل سقوط ما كان يمنعها.

نقف أمام حياةٍ تبدو كما هي، لكنها لم تعد تشبهنا.


الصوت المألوف يغدو غريبًا.

والطمأنينة التي كانت أمانًا… تتحول قلقًا بلا ملامح.

والأيام التي كانت خفيفة… تصير مثقلة بلا سبب.


عندها فقط نفهم.

لم يكن ما فقدناه كبيرًا.

بل ما كان يحفظ التوازن هو الذي انطفأ.


السعادة لم تكن في القمم، بل فيما تحتها.

في ما يعمل بصمت كي لا نسقط.


نفتقد الخفّة لا الحدث، والطمأنينة لا اللحظة.

ونكتشف أننا كنا نعيش داخل نظامٍ خفيّ من النعمة.


لا يُرى… لكنه يُبقي كل شيء قائمًا.


وهكذا تُدرك السعادة متأخرة دائمًا.

لا حين تأتي.

بل حين تغيب.


✍🏻د.راوية عبدالله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة