كرنفال الدم..

عقيل هاسم ..العراق


هذا المساء كنت أخطط لكتابة قصة مؤثرة وتثير الفزع ، من السهل أن نكتب عن موت الناس بدم بارد.ما أكثر القصص التي علينا أن نسردها بدم  بارد لكنه لا يتوقف، حتى الحياة صارت موتا آخر. فتحت الدفتر على صفحة بيضاء جديدة ودونت عليها ما لم يخبرني به أحد أو ما أردت أن أعرف عنه، اخترت له اسما  كرنفال الدم،في ذلك الزمن.. البعيد القريب ،وكانه البارحة يوم عمّت الفوضى، تلك المدن ،القتلة راحوا  يبحثون، يفتشون، ينقبون عن المتطوعين من الشباب  في معسكر وسط المدينة ،عمت الفوضى ارجاء المدينة وفي الشوارع، في البيوت طلبا للثأر ، وفي النفوس،  عرفناهم  منسحناتهم، وفي ألوانهم. صادفناهم في الطريق العام، لقد أتتني، أصوات أقدام، تتقدم نحوي، بخطوات منتظمة، وأخرى مهرولة..  بل بدأت، أسمع أصوات أصحابها، يتصايحون.. يتجادلون.. يأمر بعضهم، ويأتمر البعض الآخر.. عرفتهم، من أصواتهم.. عرفتهم، من لسانهم.. الذي به ينطقون، نعم عرفتهم. وأنا.. لا زلت، لا أرى أمامي، سوى الدخان.. والفضاء، حالك السواد، بعيني الغائمتين. فقط يخترق أذني، ذلك الهدير الآتي، من هياج الآليات المدنية ، التي أعرفها جيداً، وأكاد أحدد، أنواعها.. هذه الحكاية لا يمكن أن تحدث في الواقع، ربما تحصل فقط في الأفلام عندما تكون الروح قادرة على اختراق مسافات طويلة وأماكن لا تخطر على البال لتقابل الموت ذاته ، هنا في هذا المعسكر ، القدر ساقني مع جمع من المتطوعين الشباب للدفاع عن الوطن  ، غرب البلاد ،صحراء قاحلة،تصلني منها رياح جافة تتسلل إلى مخدعي وكأنها من الذاكرة ،كان الليل يوشك على الرحيل بينما حزم الضياء بدات بالظهور ،بعد ليلتين في غرفةٍ بعرض ثلاثة أمتار وطول ثمانية، كنا خمسة أشخاص بملابسنا العسكرية، جاءت الأوامر أن نستعد لا ي اختراق امني ،هطل المطر بغزارة تلك الليلة. كان يرشق السقف والجدران وكنا مرهقين ومتعبين،في صباح اليوم الثاني وجدنا أنفسنا وجها لوجه مع الموت، لا نعرف من أين تأتينا رشقات الرصاص، هناك. المطر لم يتوقف تلك الليلة، ظل ينزل مصحوبا بالحزن، والوقت سحق أرواحنا بمروره الثقيل، الثانية بعد منتصف تلك الليلة، وقفت سيارات عسكرية حمّلت البنادق والعتاد وذهبت بعيدا وتركتنا بمفردنا للقتلة  ،كنت أشعر بالخوف من أن يتوقف المطر ولا يتوقف الرصاص، ذاكرتي ظلت وحدها متوهجة، حرارة الأحداث جعلتها لا تفقد ديمومتها في إضاءة تلك الأوقات المظلمة التي مرت بي، قد لا أستطيع تذكر كل شيء فقط الأشياء التي حدثت أخيرا، نباح الكلاب، اختراق الرصاصة، الوجوه البشعة، الرعب، الخوف نفسه، لكن الذاكرة أعادتني سريعا إلى الوراء، وكنت أشعر بألم في رأسي، ألم شديد سيطر علي ولكني كنت في الظلام كمن يركض إلى ما لا نهاية. كانت السماء تحترق من جهة المعسكر، جلست أسفل شجرة  وكان لأنفاسي صوت واضح، الألم الشديد يكاد يفجر رأسي فجأة لمحت على بعد أمتار خيالات وكوابيس، أسمع اصواتا  من بعيد  تصلني أصوات الريح والكلاب والموتى، لا أدري كيف جرت الأمور، لكن الذي أعرفه أنها بدأت بعد منتصف الليل في ظلام مخيف،اتفق من في المعسكر الخروج منه فجرا والعودة الى الديار ،الكلاب وحدها كانت حاضرة في ظلام تلك الأرض المهجورة ومن الصعب أن أستجمع صورة واحدة لتلك اللحظة ؛ الخوف أفقدني التركيز وكانت محاولات تذكر الأشياء الجميلة في عمري تتكرّر وتتسارع لتهون عليّ لحظة الرحيل. لم يغادرني هاجس الموت يوما؛ أن يطرق بابي أحد ويأخذني ولا أعود أبدا، لم أتخيل بأي هيئة سيأتي الموت كان الرعب يتملكني ، كان الموت خلف الأبواب الموصدة في تلك الفترة والخوف دب في النفوس، في زحمة المكان وعلى مرأى من الناس. شلَّ الخوف لساني فرحت انظر في وجوه الناس حولي، يائسا من أن يعترض أحدهم الطريق كان الرعب والعجز ماثلين أمامي ترسمه نظراتهم البلهاء، لا أحد يمكن أن يفهم شيئا مّما يحصل، القتلة يشبهون الشياطين يرتدون بزات افغانية ويحملون رشاشات الية ومسدسات، وجوههم كالحة وأصواتهم غليظة بلا رحمة، أمّا قلوبهم فيملؤها الحقد وخلف هذا كله تربض إرادة عمياء تسلطت عليهم، ربّما ليس أمامهم إلا أن يصنعوا للعالم هذا الجحيم، حينها.. اقتادوا من في المعسكر الى السهل لتنفيذ مهرجان الاعدام بالجميع ،تحول السهل، إلى كتل من اللهب، والنيران، والدخان، تلتها زخات من الرصاص، المنهمر علينا، من كل أنواع الأسلحة الخفيفة منها، و الثقيلة أحاطنا القتلة من جميع أركاننا، من أمامنا، من خلفنا.. من يميننا، من يسارنا، أما من تحتنا، فقد اهتزت، بنا الأرض ومادت، وكأنها زلزلت زلزالا، رجّتنا أصوات الاسلحة الثقيلة المحمولة على العجلات وحركتها الضاجة، حين أخذت، تخبط خبط عشواء، فينا ،حين أصابتني رصاصة في عمودي الفقري ،هذا الجرح الذي شل كامل جسدي، عن الحركة، وترك لي فقط، بعض من حواسي: عيناي.. اللتان ظلتا، تخترقان بعض الضوء.. إلا قليلاً. وسمعي.. دون لساني.. وقلبي الذي يخفق. وهكذا، أنا..  وجدتني.. ما زلت حياً.. أتنفس !، بدأت أتحسس ما حولي، ببصري.. لا أري، غير الدخان، وألسنة النيران واللهب، كما لا أسمع، غير ضجيج العجلات وهديرها، وهي تجوب المكان هنا وهناك.. مسرعة .وبدأت أتبين ما حولي.ما أدمى قلبي ،حولي أجسادا مرمية تنهشها الطيور بل تعبث بها تلك الجوارح ،،جلست تحت شجرة ظليلة ، اسمع هدير جرّافة، أعرفها هذه الجرّافة, دائماً جاهزة، للحفر والردم، لحظة وسكن الفضاء استوقفني شخصان قبل أن أصل إلى الشارع العام تجمدت من الرعب عندما رأيتهما يسحبان مسدسين مخبأين تحت قميصيهما. لم يمهلاني لحظة واحدة للاستفسار بل اقتاداني من فورهما الى السهل ،المسدس مثبت على رأسي من الخلف وأنا موثق اليدين ومعصوب العينين انتظر رحمة الله. أرى ما يحدث من خلال دائرة الضوء الوهمي التي تخترق الظلام؛ أربعة رجال ملثمون، سحبني اثنان منهم وأجلساني على الأرض، واحد منهم بقي قرب السيارة بينما كان الرابع داخلها ينتظر انتهاء المهمة لينطلق بالغنيمة والبشارة للقبيلة ،كنت أطيل النظر إليهم، أراقب مايجري بحذر شديد ، تصوّرت أمامي شكل الرصاصة التي ستخترق دماغي بقوة في لحظة الصمت تلك عمّ السكون حتى الكلاب هدأ نباحها فجأة، كأنها كانت تتفرج علي. أطلق أحدهم الرصاصة دون أن أسمع لها دويا ولم أشعر سوى باختراق دافئ، أما الضوء الوهمي الذي كان يصلني من خلف العصابة السوداء فتلاشى عندما هويت بجسدي على الأرض مفكراَ في اللّحظة نفسها أن أجمد تماما حتى لا يشعر القاتل أنّني على قيد الحياة. أحسست بالبرد يخترق جسدي وبدأت أطرافي في التجمد لكنّني تماسكت وقتها، وما أن شعرت بأرجلهم تتسارع ركضا لا تمام المهمة ، وركضت بسرعة في حلكة الظلام كانت الكلاب تطاردني بنباحها. اخترقني الخوف مرة أخرى فارتفع جسدي عن الأرض وجدت نفسي أطير متّجها صوب الضوء المنعكس من نافذة تطل على الأرض المهجورة . دلفت حفرة ظلمة من بؤرة الضوء وأخذت نفسا عميقا وأنا أطل على الموضع الذي غدرت فيه، لم تكن الرؤية واضحة من هناك. من خرم فتحة العصابة نظرت إلى متن النهر ، وكان محاطا باسلاك شائكة  تستره أشجار الدفلى. كان الوقت يشير إلى الثانية بعد منتصف الليل الكلاب تطلق نباحا غاضبا وهي تجوس الجثث ،انتظرت على هذه الشاكله أرقب ظل جسدي وهو يتمايل مثل غصن، أطلقوا رصاصة على رأسي، والقوني في النهر مثل حيوان، جرفني النهر وسط الامواج الى الجرف ،خرجت ارتجف من شدة البرد ، وانا اسير وسط الاحراش وبدون دليل يرشدني ،كنت أسمع أغاني الموتى تصلني  وأشعر بعالم آخر في كل مرة ،هنا في هذه الغربة .عندما يكون الإنسان وحيدا في الكون المظلم يتمنى لو كان الشيطان بشرا. انتبهت إلى أضخم الظلال واتجهت نحوه. ركضت من جديد اتجاه بيوت الصفيح ، الريح تحرك أطرافها بعنف كبير عيناي دامعتان. كنت لا أتقن في حركتي إلا التواري عن انظار الفضولين، وقفت امام باب احد الدور ، ورحت اطرقه بوجل . امراة عجوز فاقدة البصر خرجت من الباب تستقبلني تتبعها حفيدتها ،وقدارتسمت بسمة عذبة على شفتيها وهي تلتفت إلي فأخفيت ارتباكي ببسمة مصطنعة،الفتاة وبعد ان قدمت لي الماء والطعام  طلبت مني الجلوس على سريرها، كنت محموما ولا أعرف سبب الحمى بالضبط أبفعل الخوف أم بفعل وجودي الغريب مع صبية على سرير نومها، حاولت أن تخفف عني بوضع كفها على صدغي المجروح،  شعرت بعيون تتفحص جسدي الممشوق وبشرتي السمراء وعينيَ السوداويين. كان السرير فارغاً ،جلست بجانبها  لتترك لي مجالا كي اجلس بجوارها ،شعرت بها وكأنها  تناديني بعينيها العسليتين الواسعتين اللتين تكحلاهما ابتسامة خفيفة غازلت روحي ،تبعثر شعرها الكثيف. اقتربت منها أكثر، اتضحت ملامحها وظهرت تفاصيل وجهها ،فتحت عيني لم أرى سوى الظلام الحالك، لم  أكن أرغب في الاستيقاظ لكن الكوابيس أصبحت تقض مضجعي ولا تتوقف بل تمتد وتمتد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة