سجال بيني وبين القمر
في ليلةٍ ساكنةٍ تمددت فيها السماء كحلمٍ بعيد وقفتُ أحدّق في وجه القمر كأنني أستجوبه قلت له يا صديق العابرين في صمت الليالي هل رأيت حبيبتي وهي تمر بين نجومك هل لمستَ خصلات شعرها حين مالت نحو الضوء هل خبأت لك سرًا عني وأنا الغارق في شوقي
أجابني القمر بنورٍ خافتٍ كأنه حنين يا هذا أنا مرآة القلوب لا خازن الأسرار أرى الوجوه حين ترفع إليّ عيونها وألمح في العيون قصصًا لا تنتهي لكن حبيبتك لم تذكر اسمك بصوتٍ مسموع بل كانت تنظر إليّ وكأنها تبحث عن شيءٍ ضائع
قلت له أيها القمر لا تتهرب من وجعي أنا أعرف أنك شاهدٌ على العاشقين كم من قلبٍ بكى تحت ضوئك وكم من روحٍ ناجتك في صمتٍ طويل فقل لي هل كانت حزينة مثلي هل كانت تسأل عني كما أسألك الآن
تنهد القمر كأنه تعب من اعترافات البشر وقال لي رأيتها مرةً تمشي ببطء تحمل في عينيها غيمًا ثقيلاً وكانت تنظر إليّ لا إليك كأنها تسألني عن طريقٍ لا أعرفه وكأنها تحاور ظلها لا صورتك
سكتُ لحظةً وارتجف صوتي قلت له وهل كانت تبتسم هل مر طيفي في خيالها ولو كنسمة هل ذكرت ليالي كنا نحلم فيها معًا أم أنني صرت ذكرى تائهة في قلبها
قال القمر بنبرةٍ تشبه الحقيقة الابتسامات يا صديقي لا تُحكى بل تُحس وقد رأيت في عينيها بريقًا يشبه البدايات لكنني لم أرَ فيه اسمك مكتوبًا بل كان شيئًا غامضًا يشبه الحنين حنينًا لا يعرف وجهته
اشتعل قلبي كجمرٍ خفي وقلت له لماذا تخذلني يا قمر ألم تكن شاهدًا على حبنا ألم تضيء لنا دروب اللقاء كيف تقف الآن صامتًا كأنك لا تعرفنا
اقترب ضوء القمر مني كأنه يربت على روحي وقال لستُ من يخذل ولا من يواسي أنا فقط أضيء ما يُخفى في القلوب وما في قلبها ليس لك وحدك وما في قلبك أكبر من أن أفسره
رفعت رأسي إليه كأنني أستسلم وقلت إذًا خذ رسالتي إليها قل لها إنني ما زلت أنتظر وإن الليل يطول حين تغيب وإن القمر نفسه يسأل عنها معي
ابتسم القمر بنوره الهادئ وقال سأحمل صمتك لا كلماتك فالقلوب تفهم ما لا يُقال وإن كانت لك فستعود إليك وإن لم تكن فستبقى تسألني عنها كل ليلة
عندها أدركت أنني لا أحاور القمر بل أحاور قلبي المعلق بين أملٍ وغياب وأن القمر لم يكن سوى مرآةٍ لوجعي يكرر أسئلتي ولا يمنحني جوابًا فتركت له ليلتي ومضيت وأنا أعلم أن السجال لم ينته بعد
بقلم : جمال الشلالدة
تعليقات
إرسال تعليق