فتاة الحافلة..
عقيل هاشم..العراق
ذات ليلة وهو ممدد في سريره قبل النوم، وبعينين مغمضتين تخيل السيد سعيد ، استاذ الفرنسية ، كان كل شيء غريبا ،ومايثير استغرابة ماحدث ايام الجامعة، وما ستصير إليه الحياة لو فقد راسه على ايدي حليق الراس قائد المجموعة ،ليلة بعد أخرى وقبل النوم يداهمه الكابوس؛ ظل السيد سعيد يتخيّل صورًا بشعة عن قطع الرؤوس،صور بشعة عاشها ولا يمكن للذاكرة محوها ، ليلة سقوط العاصمة ،وماتلاه من الحرب الطائفية ،حيث لا يمكنه تصديقها أو التعايش معها. لكنه فكر في أن الأمر بدأ بتخيُّل. مجرد تخيُّل عابر قبل النوم تحوّل إلى حقيقة قاتلة. لماذا إذن لا يحاول إنهاء هذه اللعنة ،حين أدرك أنها لعنة خبيثة،لكن بعد فترة قصيرة لاحظ تغييرًا غامضًا في الحلم حضور تلك الفتاة الجميلة تلهو امامه بلطف وفرح ثم تختفي، سرعان ما اكتشف أنهما عينا فتاة الحافلة وهي صامتة تمامًا، وبالتزامن مع هذا؛ صارت تصرخ به بذلك الصوت المدمّر الذي كانت تمتلكه حين وثقها بالاصفاد حليق الراس ، تحوّل الموضوع إلى ذهول حاد عندما سمع صوتا مختنقًا، تتضاءل قوته بتدرج متسارع إلى أن صار خافتًا للغاية. اكتملت الصدمة في داخله الى جنون مركب. أدرك حينها أنه في الليلة لم يكن يتخيل وإنما هي الحقيقة ، وأن القدر قد وجد حلا مناسبا، حين اخبره انه شبحا للفتاة ، حقا،،اظنه كان شبحًا مروِّعًا يعيش معه ولا يريد ان يفارقه ،ولذا كان منطقيًا أن يتساءل في نفسه: ماذا لو فقد راسه ويديه وقدميه، بمدية حادة تجتاح جسده الخاوي ولا يمكن تعطيلها أو التنبؤ باللحظة التي ستمزقه فيها،المدية صامده على رقبته وهو ينظر للقتلة ، في هاتين العينين يبعث مزيجًا وحشيًا من الخذلان والتوسل والخوف والحيرة واليأس، ولذا كان منطقيًا أن يتساءل في نفسه: ماذا لو فقد راسه والى الابد بعد ان فقد فتاة الحافلة .
كان القمر خافتاً في ذلك المساء، ومصابيح الشوارع نائمة في العاصمة بسبب انقطاع التيار الكهربائي وفي غفلة من الامر قُطع ذلك السكون وشُغلت العجلات وحمل الملثمون المدججون احدث الاسلحة،الحرب الطائفية اندلعت وبلا موعد ، واصبحت على اشدها في العاصمة ، الكل في حيطة وحذر ،مفارز من رجال اشداء خارجة عن القانون ، تحكم سبطرتها على مفاصل الطرق والازقة ،الاستاذ سعيد مدرس اللغة الفرنسية حتى يصل بيته بعد اكمال حصصه في الجامعة ، كان لابد أن يركب كل صباح هذه الحافلة الصغيرة،.كانت الحافلة تسير ببطء مملّ ، عند المحطة القادمة تتوقف الحافلة ،صعدتْ فتاة احلامه ، شعرها ذهبيّ لمّاع قد أفردته جديلتيْن على كتفيْها في تناسق جميل ، عيناها لمّاعتان فيهما زرقة صامتة حزينة و تعبٌ جميل ، كانت تشقّ الممرّ بين المقاعد في وجل وتعثُّر و تنظر يمينا وشمالا وكأنها تبحث عن شيء ما ، في الأخير وصلت عند المقعد الذي يجلس فيه ، أفسح لها المجال فجلستْ إلى جانبه، لم تقل كلمة ، وضعتْ حقيبتها على ركبتيها ، كان يبدو عليها التعب،والخوف معا ، وكلما تتوقف الحافلة في محطة من المحطات حتى ينتفض الركاب في هلع وقد جحظت عيناهم من الخوف ، اما الفتاة لا هم لها سوى التمسك بيديه دون وعي ، لم تمر سوى فترة وجيزة من الوقت حتى توقفت الحافلة في غير موعدها ، واذا بمفرزة من الملثمين ،يتقدمهم حليق الراس ، توقف السائق عنوة ،يسد الطريق رجال مسلحون ، ملثمون ،فيصعدون و يختارون بعض الراكبين ..يُنزلونهم إلى الأسفل ويطلقون عليهم النارأو يأخذونهم إلى أماكن بعيدة ومخيفة،الفتاة أخذها الخوف مرة أخرى فانتفضت و أمسكت يديه بشدة .تحاشت النظر إليّهم ،رجل ملثم صعد الحافلة يصرخ ..الله اكبر ..أحس السيد سعيد بنظرات هذا الكائن المتوحش تفتش عنه ،اخر يظهر ملثما قذرا وهزيلا كالمحموم اقتاد الفتاة من شعرها ، ويده تحمل مدية مدماة النصل، يطلب من الجميع النزول من الباص ،على الارض جثة غارقة بالدماء لشخص مغدور ؛ فأمر القتل لا يستدعي كبير عناء، حليق الراس وكأنه يردد بزهو حقيقة الموت للكفار وقد اكتشفها للتو ، يدقق في الوجوه ، فتتساقط الوجوه بصمت، يتلمسها بعناية، ويبحث عن مكامن الروح فيها... آه من سخف اليد الراعشة الماسكة للمدية وألم غوايتها، مؤلم أن تجمد وهي تنتظر المجهول، الرجل البدين ينظر للجميع بعين القتل باسرع وقت ،وأخرى يتأمل ما يتفوه به حليق الراس ، بيد هادئة راحت تُربت على كتف السيد سعيد ،فيقذه الى الامام يتلقفه احدهم ، فيسبب له أرقا ،يدعوه الى حمل راس الجثة ،سعيد يشيح ببصره عنه, فيهلع فاغرا الفاه، كانت الصور تدور و تدور في ذهنه كحُلم في ليلة شتاء ،الرجل دفع سعيد و أهانه و سخر من لهجته و ظل يردد ضاحكا .استاذ فرنسي. الفتاة غاصت عيناها في الدموع تقف الى جانبه و تمد إليّه بيد مرتعشة ،حليق الراس دفع الفتاة الى الجدار بخطوات متعثرة ،سكتت لحظة ثم واصلت في حزن و كأنها نسيت شيئا ،وراحت تتوسل بهم بصوت خفيض خائف بعد لحظات من اختفاء الفتاة عادت الينا و لكننا تفاجنأ بمظهرها الغريب فقد بدا شعرها أشعث و قد احمرت عيناها ، بدت لي منكسرة ،جلست إلى جانبه و قد ازداد شرودها إذ لم تجب على سؤاله .كانت في عالم آخر ،و كأن الخواء قد لبسها وحل فيها ، سالت دموعها صامتة حزينة ،وقد أشاحت بوجها عنه ،من ذلك اليوم لم تركب الفتاة الحافلة ،بينما ظل السيد سعيد يتلمس ظلها في الحافلة .
تعليقات
إرسال تعليق