الخوف المؤجل: حين يتحول المجهول في الداخل إلى عنف في الخارج
بقلم الجباري نورالدين
الخوف ليس مجرد انفعال عابر، بل بنية خفية تسكن أعماق الكائن الإنساني، تتوارثها النفوس كما تتوارث الملامح واللغات، وتعيد إنتاج نفسها في كل سياق جديد. إن ما نشهده اليوم من حروب وصراعات وفساد ليس إلا تجليات خارجية لذلك الاضطراب الداخلي الذي لم يجد طريقه إلى الفهم أو المصالحة.
فالإنسان، حين يعجز عن تسمية خوفه، يمنحه أشكالا أخرى: مرة في هيئة عدو متخيل، ومرة في صورة تهديد خارجي، ومرة في سلوك عدواني يبرر ذاته باسم البقاء أو الدفاع. وهكذا يتحول الخوف من حالة نفسية صامتة إلى قوة محركة للتاريخ، تُلبِس العنف لباس الضرورة، وتُشرعن الفساد كآلية للسيطرة على ما يبدو مجهولا وغير قابل للتنبؤ.
غير أن جذور هذا الخوف قد تكون أعمق مما نظن؛ إذ كثيرا ما ينبع من فراغ روحي يتسع في داخل الإنسان حين تنقطع صلته بالمعنى. فحين يغيب المعنى، يحضر الخوف، وحين يضعف اليقين الداخلي، تتضخم الحاجة إلى السيطرة على الخارج.
ومن هنا، لا يكون علاج الخوف فقط بفهمه النفسي، بل أيضا بردم ذلك الفراغ الروحي عبر استعادة المعنى. وفي هذا الأفق، تبرز رسالة الإسلام لا بوصفها طقوسا مجردة، بل كدعوة عميقة لتحرير الإنسان من الخوف، عبر ترسيخ التوحيد كطمأنينة وجودية، والعدل كميزان للعلاقات، والرحمة كأفق للتعامل مع الذات والآخر.
إن أخطر ما في هذا الخوف ليس حضوره، بل غموضه. فهو لا يعلن نفسه صراحة، بل يتخفى في يقينيات صلبة، في أيديولوجيات مغلقة، وفي أنظمة تدّعي حماية الإنسان بينما تعمّق هشاشته.
لكن الأمل يظل كامنا في الوعي: في تلك اللحظة التي يجرؤ فيها الإنسان على مواجهة خوفه، لا بإنكاره، بل بفهمه، وإعادة وصل ذاته بمصدر المعنى.
ولعل السؤال الأعمق ليس: لماذا يسود العنف؟ بل: كيف فقد الإنسان طمأنينته الداخلية حتى صار يخاف من ذاته ومن العالم في آن واحد؟
تعليقات
إرسال تعليق