قلوب وأبواب
ليست قلوبنا إلا مدائن ولكل مدينة أقْفال وأبواب، وليست نفوسنا إلا محطات تتسرب فيها أوقات أرواحنا. خلف المدائن وتلك الأبواب
لا تفتح نوافذها الا على ضوء خافت او همس حنين قديم ، لا يسهل فتح ابوابها الا بعد فتح الأقفال ،المدينة التى ترى ملامحها من الخارج ليست كما تراها من داخل ، لبست الحقيقة كلها في صوت موسيقا الكلمات بل ما يبقى في جب الأعماق وليست الحقائق فما يمر أمامنا بلا ما يختفي خلف استار الحجب.
الإنسان مستودع أسرار حكايات محملة بقصص وروايات، صفحات كتاب اسمه الأيام سطورها أحباب وأهل وأصحاب. تارة تشغل حياتنا بالأفراح والحنين والشغف، وتارة تشغلنا بالمحن والأحزان وحرقة العذب ، ان المرء مراة الى زمانه ، فتارةً يأتيه الفرح، وتارةً يأتيه الألم، فيضيق صدره وتكدر نفسه كالليل إذا خيّم الظلام.
غير أن الحكيم يجعل الأمل مرافقًا له في رحلة الحياة؛ فإن الألم إن اشتدّ فالأمل له سلوى، وإن طال فالصبر له سند. وقد علمتُ أن الشدائد تربي النفوس، وأن الله إذا أحب عبدًا قوّاه بالمحن كما تُقوى النار بالحطب. فاصبر إذا اضطربت بك الحياة،
فإن وراء كل ضيق فرجًا، ومن ثبت عند العاصفة أدرك هدوء الصباح بعد ليلها، نعيش في عالمٍ يضيق علينا المتسع ويسرق منا الوقت قبل أن ينتهي، وتتكاثر علينا الضغوط كما تتكاثر الأفكار، نمضي لياليَنا نبحث عن هدوء، نطلب السعادة فنفقد لحظة الحاضر. ومع ذلك، تبقى لنا نعم خفية: قلب ينبض، عقل يفكر، وروح تتنفس.
تلك الأشياء البسيطة هي ما يبقي الأمل، وما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش. فلو توقفنا عن البحث عن الكمال، لعلمنا أن الحياة لا تطلب منّا أن نكون أكثر، بل أن نكون أكثر حضورًا في لحظاتنا، طال الانتظار، وجفّت في الروح آمالها، فصرت أذكر الأمل ذكر الحلم الضائع
أعدّ الأيام لعلّها تقرّب موعده. وأقول: متى يعود ذلك اليوم الذي إذا أقبل انشرحت الصدور بعد ضيقها، وتبسّمت الأرواح في أفئدتها، وجرت الأفكار بين الذكريات رسلًا بالفرح والسرور؟ كأن الأمل سلطان الحياة، إذا حضر أفاقت النفوس من سباتها .
وقامت الأحلام على منابر الأماني منشدةً أناشيد البقاء. ولعمري ، ان الشوق إليه ليجعل الروح جنّةً قبل أن تصير الأرض جنة؛ فكم من أملٍ يولد في القلوب قبل أن يولد في الواقع...فلما بدا الصبح، وانفتح الأفق عن شعاعٍ من ضوء، رأيت الليل وقد انقضى كأنه حلمٌ تلاشى في ضياء النهار.
وارتفع صوت البلبل في الهدوء، فاهتزّت له الأشجار كما تهتزّ القلوب لصوت الحبيب. فقلت: سبحان من جعل للصباح هذه الروعة؛ ساعةً يغتسل فيها الوجود بالنور، وتغتسل فيها القلوب بالإيمان، فيقوم العبد المؤمن من نومه كأنما وُلد من مخاض جديد او يحي من موت قديم .
بقلم طواهري امحمد.
تعليقات
إرسال تعليق