قصة قصيرة
هكذا تكلم العم كاظم..!!.
يَمْشِي كاظم في الشَّارِع وكأنَّ العَالَم كُلُّهُ خَشَبَةُ مَسْرَح، وَصَوْتُ نِعَالِهِ الْبِلَاسْتِيكِيِّ يَرِنُّ عَلَى الرَّصِيف، وَالْوَرْدَةُ الْحَمْرَاء فِي جَيْبِهِ تَهْتِزُّ مَعَ كُلِّ خُطْوَة، وَكَأَنَّهُ يُعْلِن لِلْجَمِيع: "أَنَا هُنَا، أَغْرَبُ مِنْ أَيِّ شَخْص رَأَيْتُمُوهُ الْيَوْم!"
كَاظِم شَخْصِيَّةٌ غَرِيبَةُ الأَطْوَار فِي الْحَيِّ الَّذِي كُنَّا نُقِيمُ فِيهِ. كَانَ يَرَى الْغَرَابَة فِي أَعْيُنِ الْآخَرِينَ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَة أَنَّ الْغَرَابَة كَانَتْ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تَكُون فِي أَيِّ شَخْص آخَر.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ فَتْرَةَ مُرَاهَقَتِهِ الْمُبَكِّرَة وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ نُضْجًا، بَدَا أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ عَادَاتِهِ الْغَرِيبَة. كَانَ يَحْمِل كُتُبًا ضَخْمَةً مِثْلَ «هَكَذَا تَكَلَّمَ زَرَادَشْت»، يُتَابِعُ قِرَاءَتَهَا بِلَا مَعْرِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، أَحْيَانًا يَفْتَحُ الْكِتَاب وَيَضْحَكُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَهُ، كَأَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنْ ذَاتِهِ أَمْتَعُ مِنْ أَيِّ فَهْم. وَكُلُّ كِتَابٍ فِي يَدِهِ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَحْمِل سِرًّا لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا هُوَ، بَيْنَمَا نَحْنُ الْمَارَّة نُرَاقِبُهُ وَنَضْحَكُ بِصَمْتٍ عَلَى التَّنَاقُضِ الْعَجِيب بَيْنَ بَسَاطَةِ الْمَظْهَر وَغَرَابَةِ تَصَرُّفَاتِهِ.
حَاوَلَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ مَصْدَرِ كُلِّ تِلْكَ الْكُتُب:
— مِمَّنْ تَأْتِي بِهَا؟ وَمَنْ يَشْتَرِيها لَكَ؟
ابْتَسَمَ كاظم، وَرَفَعَ حَاجِبَهُ كَأَنَّ السُّؤَالَ يبدو سَخِيفا"، وَقَالَ:
— الْكُتُب تَأْتِي كَمَا تَأْتِي الْأَفْكَار… بَعْضُهَا يُهْدَى إِلَيْكَ، وَبَعْضُهَا تَجِدُ نَفْسَكَ تَقْتَنِيهِ رَغْمًا عَنْكَ.
ضَحِكْنَا نَحْنُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ جَعَلَنَا نَفْهَمُ أَنَّ الْغَرَابَة، أَحْيَانًا، أَرْقَى مِنَ الْوَاقِعِيَّة، وَأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمَتَهُ، رَغْمَ كُلِّ الْعُيُوب، يَظَلُّ أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلِاهْتِمَام مِنْ أَيِّ كِتَاب ضَخْم أَوْ مَعْرِفَة مُكْتَسَبَة.
فِي يَوْمٍ آخَر، كُنَّا نُشَاهِدُهُ وَاقِفًا أَمَامَ مَحَلِّهِ، يُرَاقِبُ الْمَارَّةَ بِعَيْنَيْنِ تَتَلَأْلَأَان، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئ وَلَكِنَّهُ سَاخِر:
— انْظُرُوا إِلَى الْجَمِيع! كُلُّ وَاحِد يَظُنُّ أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْض، بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي عَلَى أَفْكَارِهِمْ، أَحْيَانًا أَخْطِئ، وَأَحْيَانًا أَضْحَك… وَهَذِهِ الْحَيَاة بِاخْتِصَار.
اقْتَرَبَ مِنْهُ أَحَدُ الْجِيرَانِ وَقَالَ مَازِحًا:
— وَهَلْ نَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْكُتُب مَا لَا نَفْهَمُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا؟
ضَحِكَ كاظم طَوِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ:
— لَا تُحَاوِلُوا فَهْمِي. أَفْضَل أَنْ تَبْقُوا مُذْهُولِينَ قَلِيلًا. الْمُفَاجَأَة أَحْيَانًا أَرْقَى مِنَ الْحَقِيقَة.
كُنَّا نَقِفُ مُشْدَهِينَ، نُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ فَلْسَفَتِهِ الْغَرِيبَة، لَكِنَّهُ جَعَلَنَا نَضْحَك بِلا وَعْي، لِأَنَّ الْغَرَابَة كَانَتْ مُتْقَنَة وَمُمْتِعَة، وَكَأَنَّهَا كُومِيدِيَا سَوْدَاء مِنْ نَوْع خَاص، تَخْتَصِرُ كُلَّ مَا يُمْكِن قَوْلُهُ عَنِ النَّاس وَعَنْ أَنْفُسِنَا.
ظَلَّ فِي ذَاكِرَتِي، مُبْتَسِمًا، يَرْتَدِي دَشْدَاشَتَهُ الْبَسِيطَة وَوَرْدَةَ جَيْبِهِ الْحَمْرَاء، يُثْبِت لَنَا أَنَّ السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة لَا تَكْمُن فِي تَفْسِيرِ الْغَرَابَة أَوْ فَهْمِهَا، بَلْ فِي تَقَبُّلِهَا، وَالضَّحِك عَلَيْهَا، وَالِاسْتِمْتَاع بِهَا بِلَا أَيِّ أَحْكَام...!!.
القاص
د. عَبْدُ الرَّحِيم الشُّوَيْلِي
تعليقات
إرسال تعليق