من يغير العالم حقا قراءة جدلية في ضوء قوله تعالى

ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم

بقلم الجباري نورالدين 


ليست هذه الاية خطابا وعظيا يكتفي بتسكين الضمير بل هي اعلان صريح يهز البنية الذهنية التي اعتادت تعليق الفشل على شماعة الظروف والتاريخ. انها تنزع من الانسان رفاهية التبرير وتضعه امام سؤال قاس هل انت ضحية العالم ام صانعه

النص هنا لا يساوم الحس الكسول الذي يبحث عن خلاص خارجي ولا يهادن العقل الذي يريد تغييرا بلا ثمن. انه يقرر بحدة ان الازمة في جوهرها داخلية وان اي خطاب نهضوي يتجاوز هذه الحقيقة ليس الا تجميلا لغويا لعجز عميق. فالواقع ليس قوة غامضة تهبط علينا بل نتيجة متراكمة لما نؤمن به ونقبله

من زاوية جدلية يطرح النص اشكالية مزعجة هل نحن فعلا نريد التغيير ام نريد فقط نتائجه. فالتغيير الذي تتحدث عنه الاية ليس انتقالا في الادوات بل انقلاب في المعاني وليس اصلاحا في السطح بل مراجعة في الجذور. وهنا السؤال اكثر حدة ما الذي نخاف خسارته حين ندعو الى التغيير قيمنا المريحة ام اوهامنا عن ذواتنا

الاية تضع الانسان في مواجهة حريته لكنها حرية ثقيلة لا تسمح بالاختباء خلف القدر. فالقدر في هذا السياق ليس حجة على العجز بل مجالا للفعل. من يغير ما بنفسه يدخل في سنن التحول ومن يرفض يبقى اسير دائرة الشكوى

ولعل اكثر ما يجعل النص مثيرا للجدل انه يقلب منطق الاصلاح الشائع. فبدل ان يبدأ بالعالم يبدأ بالوعي وبدل ان يعد بنتائج سريعة يشترط تحولا بطيئا في البنية الاخلاقية. وهنا يظهر التوتر بين خطاب يريد تغييرا فوريا يريح الجماهير وخطاب قراني يصر على ان التحول الحقيقي مؤلم لانه يقتضي مواجهة الذات لا اتهام الاخر

ان القراءة الجدلية لهذا النص تقود الى نتيجة صادمة مفادها ان التخلف ليس حدثا طارئا بل اختيارا ممتدا وان النهضة ليست قرارا سياسيا بل ثورة داخلية في فهم الانسان لمعنى وجوده. لذلك السؤال الذي يتركه النص مفتوحا ليس متى يتغير الواقع بل متى نمتلك شجاعة الاعتراف باننا جزء من سبب بقائه

هكذا يتحول القول القراني من قاعدة اخلاقية الى اختبار فكري دائم اما ان نتبناه فنقبل مسؤوليته الكاملة او نلتف حوله فنحوله الى شعار جميل بلا اثر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة