سلسلة تأملات في تجارب عالمية ناجحة أحدثت تغييرا في مجتمعاتها ".

"تجربة كندا في النهضة ،وبناء الدولة"١٠"

من الهشاشة الاستعمارية إلى النموذج الإنساني المتقدم".

بقلم/ المفكر والأديب الدكتور عيد كامل حافظ التوقي .

المقدمة :

في ظل تعثر مشاريع النهضة، وتفاقم أزمات الهوية، والانقسام في كثير من المجتمعات، تبرز تجربة كندا بوصفها نموذجًا إنسانيًا جديرًا بالدراسة والتأمل. فقد نشأت الدولة الكندية في سياق استعماري وتنوع ثقافي حاد، دون تاريخ حضاري طويل أو موارد استثنائية، ومع ذلك استطاعت خلال عقود محدودة أن تبني دولة مستقرة ،وعادلة، تقوم على سيادة القانون، وبناء الإنسان، وإدارة التعدد بوصفه مصدر قوة لا تهديد.

ويهدف هذا المقال إلى قراءة تجربة كندا قراءة حضارية تحليلية، تتناول مقومات نهضتها ومسار تحولها، مع استجلاء الدروس الممكنة للإفادة منها في الواقع العربي ،والإسلامي، انطلاقًا من فهم سنن النهوض، وبناء الدول، لا من منطق الاستنساخ، أو التقليد.

أولًا: حال كندا قبل النهضة:

لم تكن كندا دولة قوية أو مستقرة في بداياتها، بل عانت من:

التبعية الاستعمارية

خضوع طويل للنفوذ البريطاني ،والفرنسي.

صراع لغوي ،وثقافي (الفرنسيون ، الإنجليز).

هشاشة الهوية الوطنية

انقسامات عرقية، ولغوية حادة.

إقصاء السكان الأصليين (الهنود الحمر ،والإنويت).

اقتصاد أولي ضعيف،

اعتماد على الزراعة، والموارد الخام.

غياب الصناعة المتقدمة.

توتر اجتماعي مزمن

مشكلات اندماج المهاجرين.

فجوات اجتماعية واضحة.

 كندا لم تبدأ من قوة، بل من تنوع متصادم وماضٍ استعماري ثقيل.

ثانيًا: كيف بدأت النهضة الكندية؟:

1) بناء الدولة على قاعدة "الإنسان أولًا"

جعلت كندا الكرامة الإنسانية أساس السياسات العامة.

انتقلت من مفهوم الدولة القومية الصلبة إلى الدولة الجامعة للتنوع.

2)التحول الدستوري، والمؤسسي:

ترسيخ:

سيادة القانون

استقلال القضاء

تداول السلطة

المؤسسات أقوى من الأفراد.

3)المصالحة مع الماضي:

الاعتراف الرسمي بأخطاء الدولة تجاه السكان الأصليين.

برامج:

العدالة الانتقالية

التعويض المعنوي

إدماج ثقافي حقيقي

 النهضة لم تبدأ بإنكار الأخطاء بل بالاعتراف بها.

ثالثًا: مقومات النهضة الكندية:

1) التعليم بوصفه رافعة النهضة:

تعليم مجاني عالي الجودة.

تركيز على:

التفكير النقدي

القيم المدنية

احترام الاختلاف

استقلال الجامعات، وربطها بالبحث العلمي.

2) العدالة الاجتماعية:

نظام رعاية صحية شامل.

حماية الفئات الضعيفة.

تقليص الفجوة الطبقية.

3) التعددية الثقافية المنضبطة:

ليس ذوبانًا للهوية، بل:

وحدة وطنية

مع تعدد ثقافي

احترام الأديان والثقافات دون صدام.

4) الحكم الرشيد:

شفافية عالية.

مكافحة الفساد مؤسسيًا.

الإعلام شريك في الرقابة لا تابع للسلطة.

5) الاقتصاد المتوازن:

تنويع مصادر الدخل:

الصناعة

التكنولوجيا

الزراعة

الموارد الطبيعية

دعم الابتكار وريادة الأعمال.

رابعًا: نتائج النهضة الكندية:

من أعلى الدول في:

مؤشر التنمية البشرية

جودة الحياة

التعليم

الاستقرار الاجتماعي

مجتمع:

آمن

منتج

متماسك رغم التعدد

دولة ذات ثقل أخلاقي وإنساني عالمي.

خامسًا: ماذا تستفيد الأمة العربية ،والإسلامية من تجربة كندا؟:

1)إدارة التنوع لا قمعه:

العالم العربي متعدد:

مذهبيًا

عرقيًا

ثقافيًا

الحل ليس الإقصاء، بل العدل ،والاحتواء.

2) المصالحة الوطنية شرط النهضة:

لا نهضة مع:

الثأر السياسي

الإقصاء

كندا تعلمنا أن:

المصالحة لا تُضعف الدولة بل تُقوّيها.

3) التعليم القيمي قبل التلقيني:

بناء الإنسان:

أخلاقيًا

فكريًا

حضاريًا

لا نهضة بلا عقل ناقد وضمير حي.

4) المؤسسات لا الأفراد:

تجاوز عقلية:

الزعيم المنقذ

وبناء:

دولة القانون

استقرار السياسات

5)الجمع بين القيم ،والحداثة:

كندا ليست دولة دينية.

 لكن نجحت بالقيم

والأمة الإسلامية:

تملك القيم

وتحتاج حسن التفعيل لا الشعارات.

سادسًا: خلاصة سننية حضارية:

النهضة لا تُستورد، لكنها تُستلهم،

ولا تُفرض، بل تُبنى،

ولا تبدأ من القمة، بل من الإنسان.

 المراجع، والمصادر:

١)عبد الوهاب المسيري،العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة،دار الشروق – القاهرة – 2002م.

٢)محمد عابد الجابري،إشكاليات الفكر العربي المعاصر،مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 1998م

٣)فهمي جدعان،أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث،دار الشروق – عمّان – 1981م.

٤)حسن حنفي،الدين والثورة في مصر

مكتبة مدبولي – القاهرة – 1988م

٥)عبد الكريم بكار،مشكلات النهضة

دار السلام – القاهرة – 2010م.

٦)راشد الغنوشي،الحريات العامة في الدولة الإسلامية،مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 1993م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة