ذيبة خاتون
عقيل هاشم..العراق
مهنتها بيع الاقمشة الحريرية والعطور الفرنسية ورهن المصوغات الذهبية واقراض المال لمحتاجينه بالفائدة وقد ورثتها تلك المهنة من العائلة، السيدة ذيبة خاتون صديقة جدتي نزورها كلما نفذت البضاعة ،التي بحوزة جدتي ، السيدة ذيبة خاتون لها مزاج في حب الاغاني القديمة بالرغم من تقدم عمرها ، صوتها جميل، تغني بطريقة رائعة كلما سمع غناءها من النسوة أعجبن بها، صغيرتها الوحيدة كانت تتشبث بفستانها وهي تتمايل بخصرها وبحركات راقصة مثيرة ، حينما تقوم امها تستكمل اعمالها للزبائن ، ويوم زيارتنا لها انا وجدتي حدثتنا السيدة خانتون ان تلك البنت هوايتها الرقص ،وهي تخشى عليها حينما تكبر ان تمتهن الرقص في حياتها ،والطفلة بعنادها المعهود تصر على انها ستسمر بالرقص كونها تعشقه بل يسري في دمها ليل نهار. وتكررت الزيارة لدار السيدة ذيبة كنت أسير خلف جدتي اتشبث بطرف عباءتها بينما الطرف الاخر راح يكنس الطريق لقصر قامتها ،يومها كانت الدنيا برداً، مطراً، وحينما طرقنا الباب فتحته الخادمة ،أجلستنا السيدة ذيبة في الصالون الفاخر ،ثم عادت الخادمة بصينية المعجنات والحلوى كنا نستمع لها وقد حدثتنا عن بضاعة جديدة قادمة من تركيا لاتقدر بثمن. أمامنا جلست السيدة ذيبة بوقار وقد بدت لنا أكثر حزنا، عيناها مندتان ببريق مطفأ، أكثر نحولا، وبعد أقل من دقيقة جاءت الخادمة بصينة اخرى عليها دلّة القهوة وقد وضعتْ جوار فنجان القهوة علبة سجائرها وقداحتها والمنفضة ، شرحتُ لجدتي الموقف الحسابي لها ، أخبرتها عن تردي ألوضع المالي والمأزق الذي هي فيه، بعد ان خسر الزوج أموالها بالقمار ،حاولتْ أكثر من مرة أن تحبس دمعها، تنفض سيجارتها بعصبية، تلطمها بحافة المنفضة الزجاجية، تعود لتلمس أحرف جفونها بأطراف أصابعها، كنتُ أسمعها بكل جوارحي، أتضامن مع كل حرف تقوله متألماً على الطريقة التي تنقلب فيها حياة إنسان رأساً على عقب دون سابق إنذار، وأكملت خسارتها ألاكبر أن الزوج قد قتل في أحدى صالات القمار ليلا. طريقة السرد المؤلمة جعلتها تنفجر وانهارت في البكاء، الدموع لم تتوقف تكاد تختنق في السعال، ورغم ذلك سيجارتها لم تنطفئ، جدتي حاولت تصبرها ولم تتمكن من التخفيف عنها، كنت متضامنا معها، ولولا خجلي لبكيت ، كان الحزن يتدفق من قلبي عليها ،تركتنا لبرهة وذهبت للحمام بعد أن رتبت شعرها وغسلت وجها،
ودعناها على أمل أنفراح مشكلتها ، ولشدة المطر أوقفنا ربل مستطرق وسار بنا يجوب الازقة الموحلة وأنا صامت ولم أفعل شيئاً، حتى أنني غفيت على صدر جدتي من شدة الحزن الذي سببتْة لي حكاية السيدة ذيبة خاتون ، كوابيس ترهقني في غفوتي هي مزيج من صرخات مكتومة، وبكاء مخنوق، كانت قصة مؤسفة بحياتي، ظننت أنني دفنتها إلى الأبد، أشعلتها اليوم تلك الراقصة ،الغريب أنها قريبة الشبه جدا بالسيدة ذيبة خاتون.
مساء اليوم أقيم حفل زفاف ولدي في صالة فندق المدينة ، وقفت على عتبة باب الفندق استقبل من جاء للتهنئة ، تدخل صالة الفندق راقصة ومغنية تحي الحفلات لها حظ مرموق من الجمال ،الكل بانتظار ماتقدمه من عرض واغراء ،رجال ونساء يحتشدون حولها، وهناك ثمة موسيقى وضحكات تغمر المكان بالفرح ، الفتاة راحت ترتشف أقداحا من الشمبانيا في صمت وتكاسل، ولا يبدو أنها ترى أحداً من حولها من شدة السكر ، في تلك اللحظة، كانت الفتاة تتقدم في تؤدة واعتداد نحوي ، تزيح عنها بعض من ثيابها أمام صمت الحضور وذهولهم، تسلقت المنصة ترقص شبه عارية تحت الأضواء يرافقها تصفيق منسجم مع الرقصة المقدمة ، تمسك بيدها قدحا كبيرا مملوء بالشمبانيا وراحت تسدل بيديها الواهنتين فوق مملكة جسدها لتغيب عن الحضور وتحلق عاليا
تعليقات
إرسال تعليق