خير المتاع واعلى الوصية: تامل في مركزية المراة الصالحة
بقلم الجباري نور الدين
على ضوء الحديثين الشريفين الحديث الاول استوصوا بالنساء خيرا والحديث الثاني خير متاع الدنيا المراة الصالحة
بين ايدينا كلمتان تتدفقان حكمة، تختزلان حكماً عظيماً في جوهر العلائق الإنسانية. الأولى تصوغ "المتاع" في صيغة المفاضلة، فلا شيء في هذه الدنيا الزائلة أحسن منه. والثانية تقدم الوصية الجامعة: "خيرهن". وكأن ثمة خيطاً نورانياً يربط بين "الخير" و "المتاع" في صورة المرأة الصالحة.
هنا يطل السؤال الفلسفي من وراء النص: أليس كل متاع في هذه الدنيا يذوي، وينطفئ لمعانه، ويخبو بريقه مع الأيام؟ فما السر في أن تكون المرأة الصالحة هي "خير" هذا المتاع وأعلاه؟ السر يكمن في طبيعة "الصلاح". فهو ليس صفة عارضة، بل هو حالة من التوازن والتناغم بين الظاهر والباطن، بين الفعل والنية، بين الحقوق والواجبات. إنه الاستقرار المتحرك، والسكون الذي ينبض بالحياة.
الصالحة هنا ليست مجرد مطيعة في ظل، بل هي التي تصلح – بوجودها – ما أفسدته دنيا الأثقال. تصلح قلوباً تعبت من قسوة الزمن، وتصلح بيوتا تهددها رياح الشتات، وتصلح معنى "الأنوثة" نفسه من أن يكون سلعة أو وهماً، ليكون شأناً روحانيا وإنسانيا. فهي بصلاحها لا تحفظ نفسها فحسب، بل تحفظ الكون الصغير حولها من التصدع.
والحديث الثاني يضيء جانباً آخر: "أوصيكم". فهي ليست فكرة مجردة، بل هي وصية عملية، اختيار واعٍ، وتوجيه نحو "الخيرية". والخيرية هنا صفة شاملة، تدخل في الأخلاق والخلق والعقل والقلب. إنها دعوة لاستكشاف الجوهر تحت ركام المظاهر، والنفيس تحت زخرف العادي.
في ضوء هذين الحديثين، تتحول المرأة الصالحة من كائن في دائرة المتاع الدنيوي، إلى كون قائم بذاته، يحمل في طياته سر بقاء النوع وارتقائه. هي ليست زينة الحياة الدنيا فحسب، بل عمادها الخفي، وسر جمالها الباقي عندما تفنى زخارفها.
فالمرأة الصالحة بهذا المعنى، ليست موضوعا للملكية، بل هي شريكة في صنع العالم المعنوي. متاعها الحقيقي ليس في التمليك، بل في المشاركة، والاستقرار، والعطاء الذي لا ينضب. وهي بهذا تستحق أن تكون خير ما يقترن به الإنسان في رحلته الأرضية القصيرة، قبل أن ينطلق إلى دار البقاء.
تعليقات
إرسال تعليق