بين الغريزة والعقل: أزمة الوعي في حضارة الوفرة

لم تكن المشكلة يومًا في قدرة الإنسان على الاختراع، ولا في عبقريته التقنية، ولا في سرعته المذهلة في تحويل الطبيعة إلى أدوات. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة في الفجوة التي اتسعت بين ما نستطيع فعله وما ينبغي أن نفعله. بين قوة العقل وبرودة القلب. بين تضخم الأنا وذبول الرحمة.

الحيوان يعيش داخل حدود غريزته. لا يؤسس أيديولوجيا، لا يرسم حدودًا سياسية، لا يخترع سلاحًا يبيد نوعه. قد يقتل، لكنه يقتل ضمن ضرورة البقاء. أما الإنسان فقد امتلك شيئًا إضافيًا: الخيال المجرد، القدرة على التنظيم، والتقنية التي تضخم أثر قراراته. وهنا بدأت المعضلة.

عاش الإنسان آلاف السنين في جماعات صغيرة، حيث كانت الأنا مقيدة بالحاجة إلى الجماعة. الطرد من القبيلة كان موتًا، والتعاون لم يكن فضيلة أخلاقية بل ضرورة بيولوجية. لم يكن هناك فقر مدقع ولا غنى فاحش، لأن الفوارق الواسعة لم تكن ممكنة في اقتصاد بدائي بسيط. لم يكن الإنسان ملاكًا، لكنه لم يكن يملك أدوات تضخيم شروره.

ثم جاءت الحضارة. الزراعة، الدولة، الجيوش، المال، الصناعة، التقنية. ومع كل قفزة، اتسعت قدرة الإنسان على التأثير. لكن وعيه الأخلاقي لم يتطور بالسرعة نفسها. صار يستطيع أن يدمر مدينة بضغطة زر، بينما لا يزال يحمل في داخله نفس المخاوف القبلية القديمة.

الرفاهية نفسها لم تكن المشكلة، بل تحولها إلى مركز معنى الحياة. عندما يصبح الامتلاك معيار القيمة، وعندما تتحول الوفرة إلى سباق استعراض، تتضخم الأنا. ومع تضخم الأنا يضعف الشعور بالترابط. يصبح الآخر منافسًا لا شريكًا، ويصبح الكوكب موردًا لا بيتًا.

الحدود السياسية مثال واضح على ذلك. هي خطوط بشرية، صناعية، لم ترسمها الجبال ولا الأنهار بل رسمتها الحروب والاتفاقيات. ومع ذلك تحولت إلى هويات صلبة تُدافع عنها الدماء. الإنسان يحتاج إلى انتماء، نعم. لكن حين يتحول الانتماء إلى إقصاء، تتحول الهوية إلى سلاح.

والأخطر أن نزعة الإقصاء ليست اختراعًا حديثًا. إنها ميل قديم في النفس البشرية. تفضيل “نحن” على “هم”. الفرق أن التقنية الحديثة جعلت هذا الميل قادرًا على التوسع عالميًا. لم تعد الكراهية محلية. أصبحت رقمية، عابرة للقارات.

هنا يظهر السؤال المؤلم: لماذا نعيب الطغاة إذا كنا نمارس بذور الاستعلاء في حياتنا اليومية؟ الفرق ليس في وجود الميل، بل في حجمه، وفي ما إذا كان يُشرعن ويُنظم ويُعطى سلطة. الطغيان ليس مخلوقًا أسطوريًا، بل تضخم غير مكبوح لنزعة بشرية عادية.

المشكلة إذن ليست في العقل نفسه، ولا في الغريزة نفسها، ولا في الهوية نفسها، ولا حتى في الرفاهية نفسها. المشكلة في ندرة الوعي الذي يربط كل ذلك معًا. وعي يدرك أن القوة بلا ضابط أخلاقي تتحول إلى كارثة. وعي يفهم أن العدالة الاجتماعية ليست حلمًا مثاليًا بل شرط استقرار طويل الأمد. وعي يعرف أن الكوكب وطن بيولوجي مشترك مهما اختلفت الهويات السياسية.

التقنية تقدمت بسرعة انفجارية، بينما الوعي ينمو ببطء مؤلم. ولهذا يبدو العالم وكأنه طفل يحمل سلاحًا متطورًا. ليس لأن الطفل شرير، بل لأنه غير ناضج بما يكفي لإدارة القوة التي بين يديه.

فهل الحل في إلغاء الأنا؟ مستحيل. الأنا جزء من الطبيعة البشرية. هل الحل في العودة إلى البساطة البدائية؟ غير واقعي. الزمن لا يعود إلى الوراء. الحل ربما في توسيع الأنا بدل سحقها؛ في جعلها تدرك أن مصلحتها طويلة المدى مرتبطة بمصلحة الكل.

الذكاء الحقيقي ليس في صناعة آلة أعقد، بل في بناء مجتمع أقل قسوة. ليس في مضاعفة الإنتاج، بل في تقليل الفجوة. ليس في رسم حدود أكثر إحكامًا، بل في توسيع دوائر التعاطف.

قد لا يكون الوعي نادرًا بقدر ما هو مُهمَل. يحتاج إلى تربية، إلى بطء، إلى شجاعة مواجهة الذات. لأن معركة الإنسان ليست مع الحيوان، ولا مع التقنية، ولا حتى مع الحدود. معركته الحقيقية مع نفسه: مع خوفه، وجشعه، وحاجته للشعور بالتفوق.

وإذا كان هناك أمل، فهو في أن القلق الأخلاقي نفسه دليل حياة. الكائن الذي يخاف من نتائجه لا يزال يملك فرصة تصحيحها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة