"لا أحد يستحق دموعك، ولئن استحقها أحد فلن يدعك تذرفها."
— غابرييل غارسيا ماركيز
قصة قصيرة
ابتسامة في غير محلها...
لَمْ يَكُن يَبْكِي لأَنَّ أَحَدًا لا يَسْتَحِقُّ دُمُوعَه،لَكِن لِأَنَّه لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ لِمَنْ تُذْرَفُ.
آمَنَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ كَمَا يُؤْمِنُ النَّاسُ بِالْمِظَلَّةِ فِي يَوْمٍ غَائِمٍ. كَانَ يَخْرُجُ بِهَا كُلَّ صَبَاحٍ، مُطْمَئِنًّا إِلَى أَنَّهَا سَتَحْمِيهِ مِنَ الْبَلَلِ الدَّاخِلِيِّ. حِينَ مَاتَ صَدِيقٌ قَدِيم، صَافَحَ الْمُعَزِّينَ بِابْتِسَامَةٍ مُتَقَنَةٍ. وَحِينَ رَحَلَتِ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُشْبِهُ الْوَعْدَ، قَالَ لِنَفْسِهِ: لَا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ دُمُوعِي.
فِي دَائِرَةٍ رَسْمِيَّةٍ، أُخْبِرُوه بِهُدُوءٍ أَنَّ اسْمَهُ سَقَطَ مِنَ الْقَائِمَةِ. لَا خَطَأَ، لَا تَفْسِيرَ، فَقَطْ سَقَطَ. شَكَرَ الْمُوَظَّفَ، وَعَدَّلَ يَاقَةَ قَمِيصِهِ، وَغَادَرَ. الْحِكْمَةُ تَعْمَلُ.
فِي الْمَسَاءِ، جَلَسَ أَمَامَ الْمِرْآةِ. حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ وَجْهًا وَاحِدًا يَسْتَحِقُّ. لَمْ يَنْجَحْ. لَا الْأَحْيَاءُ، وَلَا الْرَّاحِلُونَ، وَلَا حَتَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي يُشْبِهُهُ. شَعَرَ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يَصْعَدُ، شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ دُمُوعًا.
انْتَظَرَ الْمَقُولَةَ. لَمْ تَأْتِ.
بَكَى أَخِيرًا، لَا لأَنَّ أَحَدًا اسْتَحَقَّ،
بَلْ لِأَنَّه تَأَخَّرَ كَثِيرًا فِي السُّؤَالِ.
وَحِينَ انْتَهَى، لَاحَظَ أَنَّ الْابْتِسَامَةَ سَبَقَتِ الدُّمُوعَ إِلَى وَجْهِهِ،
ابْتِسَامَةٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا تَمَامًا،
كَلَافِتَةُ «مَخْرَجُ الطَّوَارِئ» فِي غُرْفَةٍ بِلَا أَبْوَابٍ.
مَسَحَ الْمِرْآةَ بِكُمّ قَمِيصِهِ وَقَالَ بِهُدُوءٍ:
عَلَى الْأَقَل… هَذِهِ الدُّمُوعُ كَانَتْ لِي...!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
12.فبراير.2026م.
تعليقات
إرسال تعليق