عباقرة من خارج القاعات  سلسلة مقالات أدبية  (المقال السادس)

​الرافعي ناقدًا: ميزانُ الذهب وقاضي البيان

​بقلم المفكر الأديب: د. كامل عبد القوي النحاس

​١. الاستهلال: القاضي على منصة البيان

​لم يكن مصطفى صادق الرافعي في ميدان النقد مجرد كاتبٍ يُبدي رأيًا أو أديبٍ يُسجِّل ملاحظة، بل كان قاضيًا شامخًا يجلس على منصة البيان، يزن الكلمة بمثاقيل الذر، ويحاكم النصوص بميزانٍ لا يعرف المحاباة ولا يخضع لسطوة الأسماء أو الألقاب. في زمنٍ ترهل فيه الأدب تحت وطأة المجاملات، وتواطأت الأقلام على الضعف بدعوى التجديد، وقف الرافعي حارسًا لثغور اللغة، يذود عن صرحها بصرامة المؤمن وجزالة الأديب.

​٢. صرامة المبدأ: لا شفاعة في حرم اللغة

​كان الرافعي يرى أن التهاون في نقد النص الضعيف خيانة للأمانة، وأن السكوت عن الزلل جريمة في حق اللغة والعقل معًا. لذلك لم يعرف نقده المجاملة، ولم يلن أمام الأسماء الرنانة أو المناصب الرفيعة. كان موقفه واضحًا لا لبس فيه:

​«المقام العلمي لا يحمي الغلط، والاسم الكبير لا يبرئ النص الضعيف.» 


​٣. زلزال النقد: الرافعي في مواجهة طه حسين

​بلغت صرامة الرافعي ذروتها في تصديه لكتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين. لم يرَ في القضية مجرد اختلافٍ في الرأي، بل رأى زلزالًا يمس أركان اللغة والقرآن والتاريخ. فحاصر نص طه حسين بحشدٍ هائل من الأدلة اللغوية والتاريخية، وفنَّد دعاوى الانتحال والتشكيك تفنيد العارف بأسرار البيان، لا بعاطفة الغضب بل بحُجَّة القاضي.

​٤. إخضاع العمالقة: حين استجاب العقاد للميزان

​ولم تتوقف هيبة نقد الرافعي عند حدود الخصوم، بل امتدت إلى كبار معاصريه، وفي مقدمتهم عباس محمود العقاد. ففي مواقف مشهودة، اضطر العقاد إلى مراجعة فصولٍ كاملة وتعديل عناوين بعض كتبه استجابةً لملاحظات الرافعي البلاغية والنقدية. إن خضوع قامةٍ فكرية كالعقاد لهذا النقد هو أبلغ دليل على أن الرافعي لم يكن يهدم ليُسقِط، بل يقوِّم ليُقيم.

​٥. أخلاقيات النقد: ميزان العقل والوجدان

​حوَّل الرافعي النقد من نزوة شخصية إلى علمٍ أخلاقي تحكمه أركان واضحة:

• ​الموضوعية الصارمة: لا حكم بلا دليل.

• ​الإنصاف الجراح: يبتر الزلل ليداوي النص. كان يؤمن أن النص الرديء لا يضر صاحبه وحده، بل يُفسد الذوق العام، ويُضعف العقل الجمعي.

​٦. التضمين العملي: الميزان في "الثغور الرقمية"

​إن الواجب العملي الذي يفرضه علينا "ميزان الذهب" اليوم، هو نقل هذه الصرامة إلى فضاء الرقمنة. ففي زمنٍ باتت فيه الخوارزميات هي التي تصنف النصوص، صار لزاماً علينا أن نكون نحن "قضاة البيان" الرقميين؛ فلا نترك اللغة نهباً للركاكة التي تروج لها منصات التواصل بدعوى "التريند".

​٧. الرقمنة والبيان: صراع الهوية والآلة

​لقد أثبت عصر الرقمنة أن الآلة قد تملك "المعلومة" لكنها تفتقر إلى "البيان". إن الربط بين "قلم الرافعي" و"لوحة المفاتيح" المعاصرة يعني تحويل الرقمنة من معول هدمٍ لجماليات اللغة إلى أداةٍ لنشر الجزالة؛ وذلك عبر تدريب العقل الجمعي الرقمي على ميزان "اللفظ والمعنى".

​٨. أثر الميزان: كيف صنع الرافعي جيلًا من الوعي

​لم تُرهب صرامة الرافعي الأدباء فحسب، بل رفعت مستوى الكتابة، وعلَّمت الأجيال أن اللغة ليست زخرفًا، بل عقلٌ ووجدانٌ وهوية. كما أسهم نقده في حماية التراث العربي من عبث التبسيط والتسطيح، ورسَّخ مبدأ التفكير النقدي المستقل.

​الخاتمة: عبقرية خارج القاعات

​رحل الرافعي، وبقي ميزانه معلقًا في سماء الأدب. لقد أثبت أن العبقرية الحقيقية لا تُمنَح بصكوك من قاعات الجامعات، بل تُنتزع بالاجتهاد الذاتي. فقد صنع من نفسه جامعةً عصامية، تجاوزت أسوار المؤسسات الرسمية، حتى صار أدبه مرجعًا تُبنى عليه الشهادات، وتقوم عليه الأكاديميات التي لم ينتمِ إليها يومًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة