المعنى ، الحاجة التي لا تشبع

طارق غريب يكتب


               ليس أكثر ما يرهق الإنسان هو التعب، بل الفراغ الذي يأتي بعده. يمكن للجسد أن يحتمل المشقة، ويمكن للروح أن تتعايش مع الألم، لكن أن يعيش الإنسان دون أن يعرف لماذا يفعل ما يفعل، فذلك هو الإرهاق الحقيقي. المعنى ليس ترفاً فكرياً، بل حاجة وجودية خفية، مثل الهواء : لا نراه ، لكننا نختنق بدونه.

الغريب أن الحياة يمكن أن تمتلئ بالأحداث وتظل فارغة من الدلالة. يمكن للإنسان أن ينجح، أن يملك، أن يتحرك كثيراً ، ومع ذلك يشعر في أعماقه أن شيئاً ما ناقص، أن كل هذا يحدث ولا ' يعني' بالضرورة شيائاً. هنا يظهر الفرق بين أن تكون الحياة مزدحمة وأن تكون ذات معنى. الكثرة لا تصنع الامتلاء، والحركة لا تصنع الاتجاه.

المعنى ليس شيئاً جاهزاً نعثُر عليه كما نعثر على غرض ضائع، بل شيء نصنعه ونحن نعيش. ومع ذلك، نحن نميل دائماً إلى البحث عنه كأنه كنز مخبوء في مكان ما، كأنه حقيقة تنتظر أن تُكتشف فتُنهي القلق إلى الأبد. لكن ما إن نقترب من أي معنى نظنه نهائياً، حتى نكتشف أنه هش، مؤقت، مرتبط بمرحلة من حياتنا أكثر مما هو مرتبط بالحياة كلها.

ربما لأن الإنسان لا يحتاج إلى معنى واحد، بل إلى سلسلة من المعاني تتبدّل معه. ما كان يمنحنا شعوراً بالجدوى في مرحلة ما قد يصبح عبئاً أو قيداًفي مرحلة أخرى. المعنى ليس حجراً نضعه في جيوبنا ونمشي، بل طريقاً يتغيّر شكله كلما تغيرنا.

وإن كان يظلّ البحث عن المعنى ضرورة لا مهرب منها. الإنسان لا يحتمل أن يرى نفسه كحركة عمياء في كون أصم. حتى من يدعي اللامبالاة، يفعل ذلك باسم معنى ما، ولو كان هذا المعنى هو إنكار المعنى نفسه. لا أحد ينجو تماماً من هذا السؤال، لأنه ليس سؤالاً نظرياً فقط، بل سؤال حياة يومية : لماذا أستيقظ؟ لماذا أستمر؟ لماذا أتحمل؟

المشكلة أن المعاني الجاهزة، مهما بدت مريحة، تحمل في داخلها خطراً خفياً. حين نقبل معنى مُعلبا دون أن نمر بتجربته، نكسب طمأنينة سريعة ونخسر جزءاً من صدقنا مع أنفسنا. المعنى الذي لا يُختبر يتحول إلى شعار، والشعار يتحول إلى قناع، والقناع قد يحمينا من القلق، لكنه يعزلنا عن الحياة.

المعنى الحقيقي ليس ذلك الذي يزيل الأسئلة، بل الذي يجعلنا قادرين على العيش معها. ليس الذي يمنحنا يقيناً نهائياً، بل الذي يمنحنا سبباً معقولاً لنواصل السير رغم غياب اليقين. هو ليس جواباً مغلقاً ، بل اتجاهاً نختاره ونمشي فيه ونحن نعرف أنه قد يتغير.

ومن هنا، يصبح المعنى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمسؤولية. لأن ما نعتبره ذا معنى هو ما نقرر أن نمنحه وزناً في حياتنا. نحن لا نكتشف قيمنا فقط، بل نصنعها بأفعالنا اليومية، باختياراتنا الصغيرة قبل الكبيرة، بما نصر على حمايته، وبما نقبل أن نضيع.

لكن صناعة المعنى ليست عملية مريحة. أحياناً نكتشف أن ما عشنا من أجله سنوات لم يعد يكفي، وأن الطريق الذي ظنناه بيتنا صار ضيقاً على أسئلتنا الجديدة. هنا يظهر ذلك الألم الخاص : ألم إعادة التقييم، ألم الاعتراف بأننا كنا نسير في اتجاه لم يعد يشبهنا. هذا الألم ليس علامة فشل، بل علامة نمو ، وإن كان نمواً موجعاً.

المعنى أيضا ليس شأناً فردياً خالصاً. نحن نكتشف كثيراً من معاني حياتنا عبر الآخرينو: في الحب، في الصداقة، في الفقد، في المشاركة. الآخر لا يمنحنا معنى جاهزاً ، لكنه يوقظ فينا أسئلة لم نكن لنطرحها وحدنا. في حضوره نعيد ترتيب ما نعتبره مهماً، وفي غيابه نكتشف وزن ما كان يعنيه لنا أكثر مما كنا نتصور.

ومع ذلك، لا يمكن تفويض المعنى بالكامل للآخرين أو للأفكار الجاهزة أو للظروف. في لحظة ما ، يضطر كل إنسان أن يقف وحده أمام حياته ويسأل : هل هذه الحياة التي أعيشها تشبهني؟ ليس : هل هي ناجحة؟ ولا : هل هي مقبولة؟ بل: هل هي صادقة بما يكفي لأحتملها؟

الفراغ ليس غياب الأشياء، بل غياب المعنى عنها. قد تمتلك الكثير وتشعر بالعدم، وقد تملك القليل وتشعر بامتلاء هادئ. المسألة ليست في الكم، بل في العلاقة التي تربطك بما تفعل وبما تعيشه. حين تنقطع هذه العلاقة، يتحول كل شيء إلى عبء، حتى ما كان يوماً مصدر فرح.

ربما لهذا السبب يخاف الإنسان من فقدان المعنى أكثر مما يخاف من فقدان الراحة. التعب يمكن تحمله إذا كان في اتجاه مفهوم، والألم يمكن احتماله إذا كان له سياق ، لكن العبث الخالص ينهك الروح بسرعة مذهلة. العبث ليس أن نتألم ، بل أن نتألم دون أن نعرف لماذا.

ومع ذلك، لا يبدو أن المعنى يُعطى مرة واحدة وإلى الأبد. هو يُعاد بناؤه ، يُهدم ، يُرممز، يتغير شكله، يتقلص أحياناً ،  ويتسع أحياناً أخرى. نحن لا نعيش داخل معنى ثابت، بل داخل عملية مستمرة من البحث والتصحيح وإعادة التسمية.

ربما يكون أصدق تعريف للمعنى هو أنه الشيء الذي يجعل الحياة، رغم كل هشاشتها، قابلة لأن تُعاش بكرامة. ليس لأنه يضمن لنا السعادة، بل لأنه يمنحنا اتجاهاً وسط الفوضى. ليس لأنه يزيل الألم، بل لأنه يمنحه مكاناً داخل قصة يمكن احتمالها.

المعنى ليس شيئاً نصل إليه، بل طريقة نمشي بها. هو ليس نقطة وصول، بل أسلوب عبور. وما يجعل الإنسان إنساناً ليس أنه وجد معنى نهائياً، بل أنه رفض أن يعيش بلا محاولة جادة لمنح حياته دلالة تستحق هذا الاسم.

طارق غريب - مصر


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة