رحلة الوعي العالمي نحو الله

بقلم الجباري نور الدين

من بوابة المسؤولية الفردية الكونية

ليست رحلة الوعي نحو الله مسارا تعبديا معزولا عن شروط العالم، ولا ارتحالا ميتافيزيقيا هاربا من اسئلة الواقع، بل هي في جوهرها انتقال اخلاقي للانسان من موقع المتلقي السلبي للوجود الى موقع الشاهد المسؤول عنه. فالله لا يدرك في الفراغ، بل يتجلى في كيفية تموضع الانسان داخل شبكة العلاقات التي يصنعها مع ذاته ومع الاخر ومع الطبيعة ومع التاريخ.

حين يبلغ الوعي هذا المستوى، تتحول العلاقة بالله من مطلب خلاص فردي الى التزام كوني، ويصبح الايمان ممارسة واعية للمسؤولية لا خطابا تعويضيا عن العجز. ومن هنا، تنكشف المحبة بوصفها البنية العميقة لهذا الوعي، لا كعاطفة عابرة بل كقيمة وجودية تؤسس لعلاقة سليمة مع المختلف ومع الهش ومع المهدد في وجوده

فالمحبة في افق الوعي بالله ليست خيارا اخلاقيا اضافيا بل هي الشرط الداخلي لسلام حقيقي. اذ لا سلام في عالم تحكمه انانيات متصارعة ولا محبة دون وعي يرى في الاخر امتدادا للمعنى لا عبئا عليه وكلما تعمق الوعي بمسؤولية الفرد عن الاثر الذي يتركه في العالم، تراجع منطق الاقصاء، وتفككت بنية العنف، وانفتح الانسان على امكانية التعايش بوصفه فعلا روحيا قبل ان يكون ترتيبا سياسيا

ان السلام الذي تنشده هذه الرحلة ليس هدنة بين صراعات مؤقتة، بل حالة وعي تستقر في ضمير الانسان حين يدرك ان اي اذى يلحقه بالاخر هو في جوهره اذى يلحقه بذاته وبالعالم الذي يشترك معه في المصير. وهكذا، يصبح العنف شكلا من اشكال الجهل الوجودي، وتغدو المحبة اعلى درجات المعرفة بالله.

وفي هذا السياق، لا تعود الاختلافات الدينية او الثقافية اسبابا للصدام، بل فرصا لاختبار نضج الوعي. فالله لا يحتكر في صيغة واحدة، ولا يتجلى في لون واحد من الفهم، بل يحضر حيثما تحققت الكرامة، وحيثما صينت الحياة، وحيثما اختير السلام بديلا عن الهيمنة. وكل ادعاء للايمان لا يثمر محبة اوسع وسلاما اعمق، يظل ادعاء معلقا في اللغة لم يتحول بعد الى وعي حي.

ان ترسيخ فلسفة المحبة والسلام في العالم لا يتحقق بمواثيق كبرى وحدها، بل بتغيير نظرة الفرد الى ذاته ودوره في هذا الوجود. فحين يعي الانسان ان مسؤوليته لا تتوقف عند حدود انتمائه، وان خلاصه لا ينفصل عن سلام العالم، تتحول الرحلة نحو الله الى مشروع انساني جامع، يعيد للروح معناها، وللعالم توازنه، وللايمان وظيفته الوجودية العميقة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة