الوعي ، حين يستيقظ الوجود على نفسه

طارق غريب يكتب 

            

             الوعي ليس نافذة نطل منها على العالم بقدر ما هو جرح نكتشف من خلاله أننا جزء منه. أن تعي أنك موجود لا يعني أنك أضفت شيئاً إلى الوجود، بل يعني أنك أضفت عبئاً إلى نفسك. فجأة لا تعود الحياة مجرد حركة، بل تصبح مسألة. لا تعود الأيام مجرد تعاقب، بل تتحول إلى سؤال مفتوح : ماذا يعني أن أكون هنا، وأن أعرف أنني هنا؟

هناك فرق عميق بين أن تعيش وبين أن تعرف أنك تعيش. الكائنات الأخرى تتحرك داخل إيقاعها الطبيعي دون أن تتوقف عنده، أما الإنسان فيتعثر بإيقاعه نفسه. يشعر بنبض قلبه لا كوظيفة بيولوجية فقط، بل كعلامة على شيء أعمق : على حضور لا يستطيع أن يتجاهله، وعلى وجود لا يمكنه أن ينساه حتى وهو يحاول الهروب منه.

الوعي لا يضيف طبقة من الضوء فقط، بل يضيف طبقة من الظل أيضاً. كلما اتسعت دائرة ما نراه، اتسعت معها دائرة ما نخافه. كلما فهمنا أكثر، أدركنا كم نحن مكشوفون. المعرفة لا تأتي كطمأنينة جاهزة، بل كقلق أكثر دقة. إنها لا تزيل الغموض، بل تعيد رسمه بحدود أوضح.

أن تكون واعياً يعني أن تكون قادراً على أن تنظر إلى نفسك كما لو كنت شخصاً آخر. هذه المسافة الصغيرة بين ' أنا ' و 'نفسي'  هي مصدر عظمة الإنسان ومأزقه في الوقت ذاته. بها يستطيع أن يراجع، أن يشك، أن يغير ، لكنه بها أيضاً يفقد براءة الاندماج الكامل في اللحظة. لا يعود قادراً على أن يكون داخل الحياة تماماً كما كان، لأنه صار يقف على حافتها يراقبها وهو يعيشها.

فمن هنا ينشأ ذلك الشعور الغريب بأن الإنسان دائماً مزدوج : فاعل ومراقب ، عائش وشاهد ، مشارك ومحلل. يأكل وهو يفكر في معنى الأكل ، يحب وهو يتساءل عن طبيعة الحب ، يحزن وهو يحاول فهم حزنه. كأن الوعي لا يسمح له بأن يغرق تماماً في التجربة، ولا يتركه خارجها بالكامل. إنه يعلقه في منطقة وسطى : منطقة القلق الدائم.

لكن هذا القلق ليس مرضاً ، بل علامة حياة. الوعي الذي لا يقلق هو وعي ميت أو مستسلم. القلق هنا ليس خوفاً من شيء محدد ، بل ارتباك أمام اتساع الممكن ، أمام هشاشة الوجود ، أمام حقيقة أن كل شيء يمكن أن يكون على نحو آخر. القلق هو الوجه الصادق للحرية حين تبدأ في الظهور.

الوعي يجعل الإنسان كائناً تاريخياً ، لا بمعنى أنه يملك ماضياً فقط ، بل بمعنى أنه يحمل ماضيه معه أينما ذهب. الذكريات لا تسكن خلفنا ،  بل فينا. نحن لا نمشي فوق الزمن ، بل نمشي محملين به. وكل وعي جديد نكتسبه يعيد ترتيب هذا الحمل يغير معنى ما حدث ، ويبدل وزن ما ظنناه ثابتاً.

وإن كان الوعي لا يمنحنا سيطرة كاملة على حياتنا. فعلى العكس ، كلما اتسع وعينا ، ازداد إدراكنا لحدودنا. نكتشف أن كثيراً مما نفعله لا نختاره بالكامل ، وأن كثيراً مما نشعر به لا نقرره ، وأن كثيراً مما نحن عليه ليس نتيجة خطة واعية بل نتيجة تراكمات ، مصادفات ، جراح قديمة ، وطرق لم ننتبه أننا سلكناها.

الوعي هنا يصبح مرآة قاسية : لا تُظهر فقط ما نحب أن نراه ، بل ما نحاول إخفاءه. يُرينا تناقضاتنا ، ضعفنا ، قدرتنا على الخداع الذاتي ، مهارتنا في تبرير ما لا نريد الاعتراف به. ومع ذلك ، لا نستطيع تحطيم هذه المرآة، لأننا بدونها نفقد القدرة على أن نكون أكثر من مجرد ردود أفعال عمياء.

أخطر ما في الوعي أنه يجعل الإنسان كائناً قادراً على أن يتألم مرتين : مرة من التجربة نفسها ، ومرة من فهمه لها. الألم الواعي ليس مجرد وجع ، بل قصة كاملة تُروى داخل النفس. والخسارة الواعية ليست فقداً فقط، بل إعادة ترتيب موجعة لمعنى العالم المحيط كله. نحن لا نتألم فقط بما يحدث لنا ، بل بما نعرف أنه حدث ، وبما نعرف أنه كان يمكن ألا يحدث.

وإن كان لا يمكن للإنسان أن يتمنى حقاً العودة إلى الجهل. الجهل قد يخفف الألم ، لكنه يسلب المعنى. والإنسان ، في عمقه ، يبدو مستعداً لتحمل قدر أكبر من الألم مقابل قدر أقل من العمى. كأن الوعي ، رغم قسوته ، هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للحياة أن تصبح أكثر من مجرد مرور صامت.

الوعي لا يمنحنا إجابات نهائية ، لكنه يمنحنا قدرة على طرح أسئلة أفضل. لا يهبنا يقيناً ، لكنه يمنحنا شجاعة الشك. لا يعطينا خريطة كاملة، لكنه يعلمنا كيف نسير ونحن نعرف أننا قد نضل الطريق. وفي هذا الاعتراف بالضلال المحتمل ، تظهر كرامة إنسانية عميقة : كرامة من يعرف أنه لا يملك الحقيقة كاملة ، لكنه يرفض أن يعيش بلا بحث عنها.

ربما يمكن القول إن الوعي هو اللحظة التي يستيقظ فيها الوجود على نفسه عبر الإنسان. ليس لأن الإنسان مركز الكون بل لأنه الكائن الذي صار فيه الكون سؤالاً عن ذاته. نحن لا نحمل العالم في عقولنا ، لكننا نحمل فيه هذا الارتباك الجميل : أن نكون جزءاً منه ، وأن ننظر إليه كما لو كنا خارجه في الوقت نفسه.

وفي هذا التوتر بين الداخل والخارج ، بين العيش والمراقبة ، بين المشاركة والتأمل ، تتشكل التجربة الإنسانية بكل ثقلها وثرائها. لسنا كائنات تبحث عن راحة نهائية ، بل كائنات تبحث عن وضوح يكفي لنواصل السير. ولسنا عقولاً تمشي على أقدام ، بل حيوات تحاول أن تفهم نفسها وهي تنقضي.

الوعي ليس حلًا لمشكلة الوجود ، بل هو الطريقة التي بها تصبح المشكلة قابلة لأن تُعاش بكرامة. هو ليس نهاية القلق ، بل شكله الأعمق والأصدق. وهو ليس طريق الخلاص ، بل الطريق الذي يجعلنا نستحق أن نسمي أنفسنا : بشراً.

طارق غريب - مصر


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة