( شَرِبتُ الهوى )


شَرِبتُ الهوى صافيًا من يديكَ

فغابَتْ حدودي، وما عادَ لي في المدى إشاراتِ

ودخلتُ مقامَ الفناءِ اختيارًا، فلم أجدِ

الكونَ إلا ظلالًا لِتِلكَ الذواتِ

 وإن قيل: أينَ المحبُّ؟ قلتُ: تلاشى

وإن قيل: مَن أنتَ؟ ضاعتْ جواباتي

فلي منك اسمٌ إذا لاحَ، أُمحى به

وتُثبِتُني فيكَ محوُ الإثباتِ

سكرْتُ، وما ذاكَ عن خمرِ كرمٍ

ولكنْ من الفيضِ، من نفحاتِ

وصَحوي حجابٌ، وغفوتي 

عذابٌ وسُكري صلاةُ القلوبِ الخفِيّاتِ

أُناجيكَ سرًّا، فيجهرُ دمعي

ويفضحُ ما أخفاهُ صمتُ القَنَواتِ

وما الفَرقُ إن قلتُ: هذا أنا

أو قلتُ: هذا هوَ الذاتِ؟

فقد سقطَ الفرقُ، لا بل تلاشى

كما تسقطُ النقطةُ بين الجهاتِ

رأيتُكَ قبلي، ورأيتُكَ بعدي

ورأيتُكَ عينَ الرؤى وفيكَ ملذاتي

فإن غبتَ عني، فذاكَ محالٌ

وإن حضرتَ احترقتُ بثباتِ

تجلّيكَ نارٌ، ولطفُكَ بردٌ

وأنا بين خوفٍ وبينَ رَجَاتِ

رَفِقْ بي، فإنّي ضعيفُ احتمالي

إذا فاضَ بحرُكَ دونَ احتياطاتِ

فأنا العبدُ… لا، بل أنا ما تلاشى

إذا ما تجلّتْ حقائقُ ذاتي

فخُذني إليكَ صلاةً بلا جسدٍ

ودعني نداءً بلا لغاتِ

فإنّ تمامَ الوصولِ ضياعٌ

وإنّ البقاءَ فناءُ الصفاتِ


(د محمد الجغل)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة