سلسلة عظماء صنعوا التاريخ  في الظل :ممالك اسلامية عبر القارات"

"مالم ندرسه في التاريخ ".

بقلم /الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

المقال الأول:

سلطنة أجوران" الصومال "… الدولة الإفريقية التي سبقت عصرها ولم تُدرَس"1"

 المقدمة :

عبر القرون، شهد العالم حضارات عظيمة غيّرت مجرى التاريخ، ولم تُخلّد أسماءها بما تستحق من تقدير. من بين هذه الحضارات، برزت الممالك الإسلامية، التي لم تترك أثرها في الساحة السياسية فقط، بل أشعلت شمعة العلم والفن ،والعدالة في قلب العالم.

من بغداد العصرية التي كانت مركز المعرفة في العصر العباسي، إلى إسطنبول العظيمة في عهد سليمان القانوني، ومن الأندلس المضيئة بالعلوم والفلسفة، الي مصر أرض الحضارة والعلم  ،و إلى الممالك الإسلامية في إفريقيا وآسيا التي أرسَت قواعد التجارة، والحكمة، لعب هؤلاء العظماء دورًا مركزيًا في تشكيل عالم اليوم.

كما يقول المؤرخ ول ديورانت:

"إن حضارة الإسلام كانت جسرًا بين الشرق ،والغرب، وبين العلم، والدين، بين القوة والعدل"  (ول ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الثالث، 1954).

سلسلتنا هذه تكشف قصص العظماء الذين صنعوا التاريخ في الظل، وتقدم لنا دروسًا قيّمة في القيادة، الابتكار، والثقافة، وتؤكد أن إرثهم ما زال ينبض بالحياة ويستحق أن يُروى ويُلهم الأجيال.

في التاريخ العالمي تُسقط الأممُ الكبرى من الذاكرة قِيَمًا وحضاراتٍ لم تَحكم بالسيف وحده، بل بقدراتها التنظيمية،والاقتصادية والثقافية.

ومن هذه الحضارات سلطنة أجوران في الصومال التي ظهرت في القرن الرابع عشر الميلادي، وامتدت قوتها لأكثر من ثلاثة قرون، قبل أن تُمحى من الذاكرة الرسمية للتاريخ الإسلامي، والمصري، والعالمي.

أولا:من كانت سلطنة أجوران؟:

كانت سلطنة أجوران (باللغة الصومالية: Ajuuraan Dynasty) واحدة من أقوى الدول الإسلامية في شرق إفريقيا بين القرنين الرابع عشر، والسابع عشر ميلادي.

انتشرت سلطتها على مساحة واسعة تضم الصومال الحالية وبعض المناطق المتاخمة له، وتميزت بقدرات إدارية،واقتصادية، وعسكرية لم يسبق لها مثيل في المنطقة في ذلك العصر.

ثانيا: أسباب القوة والتفوق لدى سلطنة أجوران:

1)الإدارة المركزية المتقدمة:

لم تكن أجوران مجرد اتحاد قبلي، أو إمارة صغيرة، بل كانت دولة مؤسسات:

نظام ضرائب منظّم

قضاء شرعي

إدارة مركزية فعّالة

وحدات عسكرية متخصّصة

هذا النموذج يشبه ما نجده في دول العصر نفسه في أوروبا ،والشرق الأوسط، ولكنه بقي منسيًا في كتب التاريخ الإفريقي المستعمر.

2) نظام الري ،والزراعة:

تركت الوثائق والروايات التاريخية ما يفيد أن سلطنة أجوران كانت قد طوّرت شبكات ري متقدمة، واستغلت الموارد المائية بشكل منظم، مما دعم الإنتاج الزراعي وأمن الغذاء للدولة ولسكانها.

3) العلاقات التجارية في المحيط الهندي:

كانت أجوران حلقة وصل تجارية بين إفريقيا الداخلية وسواحل المحيط الهندي، مما جعلها لاعبًا مؤثرًا في تجارة الذهب، والعبيد، والتوابل، والسلع الأخرى مع التجار العرب والهنود والفُرس.

ثالثا: التفاعل مع القوى الأوروبية المبكرة:

تُظهر المصادر التاريخية أن سلطنة أجوران واجهت التدخلات البرتغالية في القرن السادس عشر الميلادي، حيث حاول البرتغاليون اختراق طرق التجارة في المحيط الهندي، لكن أجوران قاومت هذا التداخل بفعالية.

هذا يُظهر قوة الدولة ،وقدرتها على حماية مصالحها مقابل القوى الأوروبية، قبل أن تستقر النفوذ البرتغالي في أماكن أخرى.

رابعا: لماذا طُوِيت هذه الدولة من كتب التاريخ؟:

هناك فهمان أساسيان يجيبان عن سؤال:

لماذا لا نسمع عن سلطنة أجوران في المناهج الرسمية؟:

١): كثير من التقارير التاريخية المكتوبة في القرون الماضية كانت من منظور القوى الاستعمارية التي لم تُكتب عن الدول الإسلامية خارج إطار مصالحها.

٢): غياب التدوين المستقل في إفريقيا: مقارنة بالشرق الأوسط، جعل الكثير من الأحداث تُنسب إلى قوى خارجية، بينما كانت في الأصل من قوة الشعوب نفسها.

 خامسا:الدروس المستفادة من سلطنة أجوران:

سلطنة أجوران ليست مجرد صفحة منسية في التاريخ؛ بل نموذج حضاري يُعلّمنا:

 كيف يمكن لدولة أن تُدار بشكل مباشر وفعّال بعيدًا عن مركز القرار التقليدي

 كيف يمكن للأمم أن تُواجه القوى الخارجية بحكمة ووعي

 أن التاريخ لا يُكتب بالقوة فقط… بل بالقدرة على التنظيم والإدارة

 خاتمة:

سلطنة أجوران نموذجٌ حضاريٌ مدهش في تاريخ الإسلام في إفريقيا، يربط الماضي بالآفاق المستقبلية لإعادة قراءة التاريخ خارج الروايات الاستعمارية التقليدية.

إنها دعوة لفهم أن الأمم لا تُنسى لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تُكتب كما تستحق. المراجع العربية:

١)العطار، محمد عبد الرحيم،تاريخ الدولة في إفريقيا: سياسة وإدارة وحضارة

– دار الفكر العربي، القاهرة، 2020

٢)الشريف، أحمد حسن،الإسلام في شرق إفريقيا: دراسة تاريخية سياسية

– المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018

٣)الذهبي، محمد بن أحمد،البيان والتبيين في أخبار ملوك الإسلام والمشرق والمغرب

– دار الكتب العلمية، بيروت، 2015

٤)الناصر، علي محمود،تاريخ سواحل المحيط الهندي الإسلامي والاتصال التجاري– دار الكتاب الجديد، عمان، 2017


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة