التراث بين النقد والنقض

سلسلة مقالات بقلم المفكر:

د كامل عبد القوى النحاس 

​العامُ والخاص

​(هندسةُ الشمولِ وأنوارُ التخصيصِ في ميزانِ البيانِ القُرآني)

​حين نُبحر في ملكوت القرآن الكريم، تطالعنا آياتٌ تضعُ قانوناً شاملاً يغمرُ بظلاله الجميع، ثم لا نلبث أن نجد آياتٍ أخرى تضيءُ زاويةً بعينها أو ترسمُ حكماً لحالةٍ بذاتها. هذا التباين الظاهري ليس تضارباً في المنهج، بل هو "نورُ البيان" الذي يجمع بين سعةِ القاعدة ودقةِ التطبيق؛ إنها هندسةٌ إلهية توازن بين كليات الشريعة وجزئيات الواقع، فيما يُعرف بـ "حمل العام على الخاص". فالعام هو الخطاب الذي يستغرقُ كل أفراد جنسه، فيأتي كالسقف الذي يستظلُّ به الجميع، وكالبساط الذي يمتدُّ ليشمل كلَّ الصور والأحوال. أما الخاص فهو "نورُ التفصيل" الذي يأتي ليُخرج بعضَ الحالات من ذاك الشمول العام؛ لا لينقضه، بل ليضعَ كلَّ حالةٍ في ميزانها الصحيح، رعايةً لضرورةٍ أو تبياناً لسرٍّ تشريعيٍّ خفي.

​ويتجلى هذا الإحكام في شواهد تطبيقية تبهر العقول، منها ميزان النجاة والخسران في سورة العصر؛ حيث يطالعنا الحقُّ سبحانه بقانونٍ كليٍّ يزلزلُ النفوس: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وهو عمومٌ يطبقُ على الجنس البشري كافّة، ولكي لا يغرق المؤمن في لُجّة اليأس، انبثقَ "نورُ التخصيص" فوراً ليحصر النجاة في فئة محددة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾؛ وبذلك رسم القرآن خارطة طريقٍ دقيقة تجمع بين هيبة التحذير العام ورقة البشارة الخاصة.

​كذلك نجد دقة التشريع في المحرّمات الغذائية؛ فبينما جاءت سورة الأنعام بحصرٍ مجمل للمحرمات في أربعة أصناف للرد على أوهام الجاهلية، جاءت سورة المائدة لتقدم "بيان التخصيص" بدقة مذهلة، فذكرت المُنخنقة والمتردية والنطيحة؛ والخاص هنا لم يلغِ العام، بل فصّل أنواعه وأزال عنه غطاء الإجمال، ليكون المسلم على بينةٍ تامة من طهارة مطعمه. ويمتد هذا الإعجاز ليشمل رعاية الأحوال الإنسانية في أحكام العِدّة؛ فبينما القاعدة العامة هي "ثلاثة قروء" صيانةً للأنساب، انحنى هذا الحكم أمام خصوصية الحامل التي تنتهي عدتها بوضع الحمل، واليائسة التي تُقدر عدتها بالأشهر. هذا التخصيص هو محضُ الرحمة والحكمة، حيث يضبط المواقيت وفق مقتضى الحال البيولوجي والواقعي.

​وحتى في الحقائق الوجودية الكبرى كحتمية الموت، نجد أن العقل المؤمن يدرك بضرورة الفطرة تخصيصاً جلياً؛ فبينما القانون العام يسري على كل مخلوق في قوله ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ترتقي "أنوار التخصيص" بالعقل ليدرك حياة "الخالق" المطلقة المنزهة عن الفناء في قوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. إن العام والخاص في القرآن الكريم ليسا خصمينِ، بل هما "كالبنيان المرصوص"؛ العام يمثل هيكل البناء العظيم وثباته، والخاص يمثل التفاصيل الدقيقة التي تمنحه الضياء والروحانية. إن الفهم الصحيح لهذا التمازج يطرد وهم التباين، ويفتح الآفاق لتدبر كتابٍ صادرٍ من لدن حكيمٍ خبير.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة