سلسلة عظماء كتبوا التاريخ في الظل" ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد"

المقال السادس: 

 سلطنة كيلـوَة: إمبراطورية إسلامية بحرية على سواحل إفريقيا"

"التاريخ المنسي" 

المقدمة :

ظهرت سلطنة كيلـوَة إمبراطوريةً إسلاميةً بحرية تمتد على امتداد سواحل شرق إفريقيا بين القرن الـ10 والـ16 الميلادي، وكانت من أهم المراكز التجارية، والحضارية الإسلامية في المحيط الهندي، تربط بين إفريقيا، والعالم العربي، والهند، والصين، قبل أن يتغير واقعها مع وصول القوى الأوروبية. 

أولا: أين نشأت؟ وكيف؟:

قامت السلطنة على جزيرة كيلـوَ كيسيـواني (Kilwa Kisiwani) قبالة ساحل تنزانيا الحالية في القرن الـ10 الميلادي تقريبًا، وفقًا للتقاليد المحلية، جاء علي بن الحسن الشيرازي ، من نسل فارس (إيران) –،واشترى الجزيرة من ملكها المحلي واستقر فيها، مؤسسًا مركزًا تجاريًا معمورًا. مع الوقت، تحول هذا المركز إلى سلطنة قوية تمتد سلطتها على مدن ساحلية أخرى. 

امتدت السلطنة في أوج قوتها من جنوب ساحل الصومال إلى موزمبيق على طول الساحل، متحكمة في موانئ استراتيجية مثل مومباسة وزنجبار وبمبا ومانيا وغيرها. 

ثانيا:  القادة، والأعلام:

 ١)علي بن الحسن:

يُعتبر المؤسس الأول للسلطنة، إذ استقر على جزيرة كيلوا ،وأسس حكمًا إسلاميًا، ونظامًا سياسيًا ارتكز على التجارة الإسلامية. 

٢) السلطان الحسن بن سليمان:

من أبرز حكام كيلوا في القرن الـ14، وقد بنى المسجد الكبير ،والقصر الحسوني، وكان له دور بارز في توسيع رقعة السلطنة، وإقامة علاقات تجارية ودبلوماسية مع الهند، واليمن، وعُمان. 

ثالثا: أهم مقومات السلطنة، وقوتها:

١) الموقع الجغرافي المتميز: على طريق التجارة البحرية في المحيط الهندي قرب موسمي الرياح الموسمية، مما جعلها مركزًا للتجارة بين القارات. 

٢) الشبكة التجارية: تناقلت سفن كيلوا الذهب ،والعاج ،والعبيد ،والحرير ،والتوابل بين إفريقيا، والعالم العربي، والهند، والصين. 

٣) الحضارة ،والثقافة: ازدهرت فيها اللغة، والثقافة السواحيلية نتيجة اندماج العرب، والفرس مع السكان المحليين، وكان للإسلام أثر بارز في الحياة الاجتماعية والسياسية. 

٤) البنية السياسية: كانت ملكية وراثية، مع اعتماد على الشورى، وتأثر نظام الحكم بالإسلام السني.

رابعا: أهم إنجازات السلطنة:

١) الخدمة للدعوة الإسلامية:

عملت كمنارة للإسلام في شرق إفريقيا، وكان لسلاطينها دور في نشر الإسلام بين الشعوب السواحليّة.

٢)أسست مساجد فخمة مثل المسجد الكبير في كيلوا الذي يعد من أقدم، وأهم معالم العمارة الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء. 

 ٢)التجارة البحرية:

– جعلت من كيلوا نقطة التقاء تجار من إفريقيا والشرق الأوسط والهند والصين، وربطت بين العالم الإسلامي ،والعالم الخارجي في تلك الحقبة. 

٣) الهوية الثقافية:

ساهمت السلطنة في بناء الحضارة السواحيلية الإسلامية التي تمزج بين الثقافات المختلفة، ولا يزال تأثيرها باقٍ في لغات، وثقافات شرق إفريقيا. 

خامسا: سقوط السلطنة: الأسباب، والظروف:

مع نهاية القرن الـ15 وبداية القرن الـ16، دخلت القوى الأوروبية ، وخصوصًا البرتغاليين  إلى المحيط الهندي، وبدأت تتوسع في السيطرة على طرق التجارة البحرية، وتمكن البرتغاليون من الدخول إلى موانئ السلطنة، وأجبروها على الانصياع لتبعية تجارية، ثم ضعف نفوذها تدريجيًا، وسقطت في أواخر القرن الـ16 بعد صراعات داخلية، وضغوط خارجية. 

سادسا:الآثار والثمار الباقية من السلطنة :

١) آثار حضارية ،ومعمارية:

_بقايا المسجد الكبير ،والمساجد، والقلاع، والمباني التي لا تزال تشهد على ازدهار حضارة كانت منارةً في إفريقيا.

٢) الهوية السواحيلية:

لازال تأثير كيلوا حاضرًا في اللغة ،والثقافة والدين في الساحل الشرقي لإفريقيا حتى اليوم. 

المراجع العربية :

١) صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، سيرة سلاطين كلوة – دار منشورات القاسمي، 2022م (114 صفحة)، بالاعتماد على المخطوط التاريخي كتاب السلوة في أخبار كلوة. 

٢) أ.د. فايد محمد سعيد –،سلطنة كيلوا: مجد الإسلام على سواحل شرق إفريقيا – صحيفة مكة الإلكترونية، 2025م (سلسلة الممالك الإسلامية في إفريقيا). 

٣) مقال تاريخي أكاديمي: سلطنة كلوة الإسلامية: تاريخها، وحضارتها 975–1515 م، النادي الأدبي أبها – بحوث ومقالات تاريخية.

"سلسلة: عظماء كتبوا التاريخ في الظل"

"ممالك اسلامية عبر القارات لهم تاريخ مجيد".

المقال السابع :

 "سلطنة عدل… الإمبراطورية الإسلامية التي غيّرت ميزان القوى في القرن الإفريقي".

بقلم/المفكر والأديب الدكتور عيد كامل حافظ النوقي. 

 المقدمة:

لماذا تُعدّ سلطنة عدل قوة حضارية كبرى في تاريخ الإسلام؟:

حين يُذكر تاريخ العالم الإسلامي في العصور الوسطى، تتجه الأنظار غالبًا إلى القاهرة ودمشق، وإسطنبول ،وقرطبة، بينما تبقى في الظلّ قوى إسلامية صنعت التاريخ في أطراف الجغرافيا الإسلامية. ومن أبرزها سلطنة عدل التي نشأت في القرن الإفريقي، وامتد نفوذها ليشكل توازنًا حضاريًا، وعسكريًا في شرق إفريقيا طوال قرنين تقريبًا.

أولا:مقومات القوة في السلطنة:

١)الموقع الاستراتيجي:

سيطرت عدل على بوابة البحر الأحمر، وخليج عدن، وربطت بين الجزيرة العربية، وداخل إفريقيا، هذا الموقع جعلها حلقة وصل تجارية بين العالم الإسلامي، وشرق إفريقيا.

٢)الهوية الإسلامية الجامعة:

كانت دولة سنية اعتمدت على الفقه الشافعي، وربطت نفسها بالمرجعية الإسلامية الكبرى في اليمن، والحجاز، ومصر.

٣)الاقتصاد البحري والتجاري:

ازدهرت التجارة عبر موانئ مثل زيلع، وتدفقت البضائع من الهند ،واليمن إلى الداخل الإفريقي.

٣)القيادة العسكرية الفذة:

بلغ التنظيم العسكري ذروته في عهد القائد المجاهد الإمام أحمد بن إبراهيم.

٤)التحالفات الدولية:

أقامت علاقات مع الدولة العثمانية، واستفادت من السلاح الناري مبكرًا.

ثانيًا: النشأة والامتداد الجغرافي:

١)نشأت سلطنة عدل امتدادًا لـ سلطنة أوفات التي ضعفت في أواخر القرن الرابع عشر،وبعد انهيار أوفات، أعادت أسرة الولاشما بناء الكيان السياسي الإسلامي في المنطقة تحت اسم “عدل”.

٢)الامتداد الجغرافي:

بلغت السلطنة في أوجها مناطق واسعة تشمل:

شرق إثيوبيا الحالية

شمال الصومال

جيبوتي

أجزاء من إريتريا

٣)امتداد نفوذها إلى عمق الهضبة الحبشية

وكانت عواصمها تتنقل بين:

زيلع (مركز بحري)

دكّر

هرر (التي أصبحت لاحقًا مركزًا علميًا إسلاميًا مهمًا)

ثالثًا: السلاطين ،والقيادات الكبرى:

١) أسرة الولاشما:

أسرة حكمت أوفات ثم عدل، وأسست البنية السياسية الأولى للسلطنة. من أبرز سلاطينها:

صبر الدين الثالث: أعاد تنظيم الدولة بعد سقوط أوفات.

محمد بن بادلاي: واجه التوسع الحبشي.

٢) الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي:

_أحمد بن إبراهيم الغازي:

يُعدّ الشخصية الأبرز في تاريخ عدل. قاد حربًا كبرى ضد الإمبراطورية الإثيوبية بين (1529–1543م)، عُرفت تاريخيًا بحروب القرن الإفريقي.

_إنجازاته:

توحيد القبائل الإسلامية تحت راية واحدة

استخدام البنادق والمدافع بدعم عثماني

السيطرة على معظم الهضبة الحبشية

كاد أن يُسقط الإمبراطورية الإثيوبية بالكامل

وقد وثّق أحداث هذه المرحلة كتاب فتوح الحبشة الذي يُعدّ من أهم المصادر التاريخية لتلك الحقبة.

رابعًا: عوامل القوة الحضارية:

1) القوة العسكرية:

_اعتماد السلاح الناري مبكرًا. تنظيم الجيوش على أسس إدارية واضحة.

2) القوة العلمية:

مدينة هرر أصبحت لاحقًا من أهم مراكز العلم الإسلامي في إفريقيا، ولقبت بـ “رابعة الحرمين الإفريقية”.

3)القوة الاقتصادية:

تجارة الذهب ،والعاج

تصدير المنتجات الزراعية

علاقات مع اليمن ،والهند ومصر

4) التماسك الديني:

وحدة العقيدة ساعدت على حشد المجتمع في مواجهة التحديات.

خامسًا: آثار السلطنة في التاريخ الإسلامي، والإفريقي:

_نشر الإسلام في القرن الإفريقي بعمق مؤسسي

_إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والدينية للمنطقة

_تعزيز التواصل الحضاري بين إفريقيا والعالم الإسلامي

_إدخال السلاح الناري إلى الصراعات الإقليمية مبكرًا

كما أثّرت حروب عدل على التوازن السياسي في البحر الأحمر، وأثارت تدخل القوى البرتغالية دعمًا للحبشة.

سادسًا: عوامل السقوط:

جاء التراجع تدريجيًا بعد:

_مقتل الإمام أحمد عام 1543م

التحالف البرتغالي الإثيوبي

_إنهاك الموارد البشرية والاقتصادية

الصراعات الداخلية

_هجرات الأورومو التي غيّرت البنية السكانية في المنطقة

_وبنهاية القرن السادس عشر تفتت السلطنة إلى كيانات أصغر.

سابعًا: قراءة تحليلية حضارية:

سلطنة عدل تمثل نموذجًا لدولة إسلامية إقليمية:

_استطاعت أن تبني قوة ذاتية رغم بعدها عن المركز الإسلامي التقليدي.

_اعتمدت على العقيدة والاقتصاد البحري والتحالفات الدولية.

_لكنها سقطت حين فقدت القيادة الجامعة، والتوازن الاستراتيجي.

الخاتمة:

سلطنة عدل ليست مجرد صفحة في تاريخ القرن الإفريقي، بل هي تجربة حضارية عميقة لدولة إسلامية استطاعت أن تُعيد رسم موازين القوى في شرق إفريقيا لقرن كامل. إنها واحدة من القوى التي كتبت التاريخ في الظل، لكنها تركت أثرًا لا يُمحى في الجغرافيا، والديموغرافيا ،والسياسة.

المراجع العربية:

١)شهاب الدين أحمد بن عبد القادر، فتوح الحبشة، تحقيق عبد الله الحبشي، دار الغرب الإسلامي، 2003م.

٢)حسين أحمد محمود، تاريخ الإسلام في شرق إفريقيا، دار الفكر العربي، القاهرة، 1998م.

٣)عبد الرحمن زكي، القرن الإفريقي في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1985م.

٤)محمد عبد الله عنان، دول الإسلام في إفريقيا، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1971م.

أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1984م.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة