"سلسة معركة الوعي"
معركة الوعي وبناء الإرادة الحضارية عند جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا"٩"
بقلم /الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي .
مقدمة: الوعي بوصفه شرط النهوض ومفتاح الحضارة:
لم تكن معركة الأمة في العصر الحديث معركة سلاحٍ فحسب، بل كانت في جوهرها معركة وعي؛ معركة على العقل، وعلى طريقة التفكير، وعلى تعريف الذات وموقعها في التاريخ. وقد أدرك رواد الإصلاح في العالم الإسلامي، وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد رشيد رضا، أن أي مشروع نهضوي لا يقوم على وعيٍ صحيح، مصيره الإخفاق، وأن الإرادة الحضارية لا تُبنى بالشعارات، بل بتشكيل عقلٍ ناقد، ونفسٍ حرة، وضميرٍ حضاريٍّ واعٍ.
من هنا، لم يكن حديث الأفغاني ،ورشيد رضا عن الإصلاح حديثًا جزئيًا ،أو وعظيًا، بل كان مشروعًا متكاملًا لبناء الوعي وصياغة الإرادة الحضارية للأمة في مواجهة الاستعمار الخارجي، والاستبداد الداخلي، والجمود الفكري.
أولًا: الوعي في فكر الأفغاني من الإدراك إلى التحرر:
نظر جمال الدين الأفغاني إلى الوعي بوصفه أداة تحرر، لا مجرد معرفة،فالجهل في نظره لم يكن جهلًا بالمعلومات فقط، بل جهل بالذات، وبقوانين الصراع الحضاري، وبآليات السيطرة الغربية:
1. الوعي ،ومقاومة الاستعمار
رأى الأفغاني أن الاستعمار لا يسيطر بالسلاح وحده، بل:
يسبق ذلك بتخدير العقول،
وتشويه الوعي،
وإقناع الأمة بعجزها التاريخي.
ومن هنا جعل من إيقاظ الوعي السياسي ،والفكري ضرورة شرعية وحضارية، وعدّ مقاومة الاستعمار واجبًا لا ينفصل عن مقاومة الجهل ،والتبعية.
2. الوعي ونقد الجمود
هاجم الأفغاني التقليد الأعمى، ورأى أن الجمود الفقهي والفكري:
عطّل العقل المسلم،
وجمّد قدرته على الفعل الحضاري،
وحوّل الدين من قوة دافعة إلى قيدٍ نفسي.
فالوعي عنده هو تحرير العقل المسلم من الخوف، ومن الوهم، ومن تقديس التخلف باسم الدين.
ثانيًا: الوعي عند رشيد رضا من الفكرة إلى البناء:
إذا كان الأفغاني قد ركّز على الصدمة الفكرية، وإيقاظ الوعي، فإن رشيد رضا انتقل بالمشروع خطوة إلى الأمام، فحوّل الوعي إلى برنامج إصلاحي تربوي وحضاري.
1. الوعي بين النص والواقع:
تميّز فكر رشيد رضا بمحاولة واعية للجمع بين:
أصالة النص الشرعي،
ومتطلبات الواقع الحديث.
فرفض القطيعة مع التراث، كما رفض الذوبان في الغرب، ودعا إلى:
فهم النص في سياقه المقاصدي،
وتوظيفه لبناء إنسان العصر دون تفريط في الهوية.
2. الوعي بوصفه مسؤولية جماعية
لم يرَ رشيد رضا الوعي شأنًا نخبويا، بل:
مسؤولية المجتمع،
ومهمة العلماء،
ودور الإعلام والتربية.
ومن هنا جاءت مجلة المنار مشروعًا واعيًا لتشكيل العقل العام، لا مجرد منبر علمي، بل ساحة لصناعة الوعي الحضاري.
ثالثًا: من الوعي إلى الإرادة الحضارية
1. مفهوم الإرادة الحضارية:
الإرادة الحضارية هي:
القدرة الجمعية للأمة على تحويل وعيها إلى فعل، وفكرها إلى مشروع، وقيمها إلى واقع.
ولا تُبنى هذه الإرادة إلا إذا:
امتلكت الأمة وعيًا بذاتها،
وثقة بتاريخها،
وفهمًا لسنن النهوض والسقوط.
2. العلاقة الجدلية بين الوعي والإرادة
أكد الأفغاني ورشيد رضا أن:
الوعي بلا إرادة ترف فكري،
والإرادة بلا وعي اندفاع أعمى.
ومن هنا فإن مشروع النهضة عندهما يقوم على:
وعي نقدي،
وإرادة واعية،
وعمل منظم طويل النفس.
رابعًا: أدوات بناء الإرادة الحضارية في فكرهما
1. التربية والتعليم:
تعليم يُنمي التفكير لا الحفظ.
يربط العلم بالعمل.
ويُخرج إنسانًا قادرًا على الفعل الحضاري.
2. الإصلاح الديني:
تجديد الفقه لا هدمه.
فتح باب الاجتهاد المنضبط.
تحرير الدين من توظيف الاستبداد.
3. الوعي السياسي:
فهم طبيعة الصراع الدولي.
إدراك سنن القوة والضعف.
رفض الاستبداد بوصفه عدوًا داخليًا للنهضة.
خامسًا: البعد العالمي لفكر الأفغاني، ورشيد رضا:
لم يكن مشروعهما منغلقًا، بل منفتحًا بوعي:
الاستفادة من التقدم الغربي علميًا،
دون تبعية ثقافية أو قيمية.
وهو ما يتقاطع مع تجارب حضارية كبرى، مثل:
النهضة الأوروبية القائمة على الوعي النقدي،
وتجربة اليابان في التحديث مع الحفاظ على الهوية.
خاتمة: معركة الوعي مستمرة:
إن معركة الوعي التي خاضها الأفغاني ورشيد رضا لم تنتهِ، بل تتجدد بأشكال أكثر تعقيدًا. وما لم تدرك الأمة أن بناء الإرادة الحضارية يبدأ من تحرير العقل، وتصحيح الوعي، وإحياء القيم، فإنها ستظل تدور في فلك التبعية مهما تغيّرت الشعارات.
لقد قدّم الأفغاني و رشيد رضا خريطة طريق حضارية، أساسها:
وعيٌ ناقد،
وإرادة صلبة،
وعمل إصلاحي متدرج.
وهي خريطة ما زالت صالحة لزماننا، بل أشد إلحاحًا من أي وقت مضى.
تعليقات
إرسال تعليق