1- إشراقة الوعي.. وتراتيل من دفتر المأذون
سلسلة قصص واقعية
بقلم: الأديب المفكر
د. كامل عبد القوى النحاس
مأذون شرعي وخبير في شؤون الأسرة والمجتمع
1-(دموع المَنع.. وشهقة العطاء)
مقدمة المأذون
أنا مأذونٌ.. شابَ العمرُ مني وأنا أرقبُ ملامحَ الوجوه تحت ضوءِ "المصاهرة".
مرّ عليّ في هذه المهنة ما يكفي لأؤمن أن الزواج ليس "طرحةً" بيضاء ولا فرحًا دائمًا، بل هو عبورٌ للأرواح فوق جسورِ القدر.
لقد أيقنتُ أن بعض البيوت تُبنى بالذهب، لكنَّ أعظمها وأبقاها هي تلك التي تُعجنُ طوبتها بدموعِ الصبر.
أكتب هذه الواقعة لا لأُدين أحدًا، ولا لأصنع منها حكمًا شرعيًا، بل لأضعها "ضمادةً" على قلوب من يظنون أن التأخير نسيان.
هذه حكاية امرأة لم يُفتح لها باب الأمومة أولًا، لأن الله كان يخبئ لها "مفتاح الخلود" في قلوبٍ لم تنجبها.
المشهد الأول: شُرفة الطمأنينة
كانت تقف في شرفة البيت الفسيح، تنظر إلى المدينة التي لا تنام، وكأنها تبحث عن نجمةٍ ضلت طريقها.
كان كل شيءٍ متاحًا تحت قدميها، إلا ذلك "السكن" الذي لا يُشترى بمال.
اختارت شابًا ريفيًا لا يملك إلا "هيبة الاستقامة"، وهي أثمنُ العقود.
قال الأب بوقارِ الحكماء:
— «الزواج أمانٌ قبل أن يكون حبًا.. ومن رضي بالبساطة، رضي الله عنه».
لم تكن تعلم أن أول محطات هذا الأمان ستكون "تيهًا" طويلًا يختبر نبض يقينها.
المشهد الثاني: ليلُ الرحمِ الصامت
تأمل هنا كيف يسكن الوجع…
سنةٌ تمر تتبعها عشر، والدعاءُ يرتجف في السحر، والرحمُ يصمت في الهجير.
في ردهات المشافي كانت ترقب الأمهات وهنّ يضممن العطايا، بينما كانت هي تضم "فراغًا" ينهش روحها.
تهمس في عتمة غرفتها:
«يا رب.. أحيِ بمائك هذا اليباس كما أحييت يباس امرأة زكريا».
حتى جاء حكم الأطباء كالقيد:
— «انتهت السبل.. الأبواب موصدة». لا أمل في حمل ولا ولادة.
خرجت تمشي في زحام المدينة. لم تبكِ؛ فالحزن الصادق لا صوت له، هو "بكاء داخلي" لا يسمعه إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
المشهد الثالث: انكسارُ الدلالِ في طينِ الأرض
مات السند، والد الزوج، وغابت أضواء المدينة.
عادت إلى القرية حيث الأرض والشقاء، خلعت ثوب الترف وارتدت ثوب "المجاهدة".
تعلمت كيف تُطوّع العجين وتربي الطير، بيدين كان الحرير يغار منهما.
صارت عمود البيت وسقفه، وبدأت تجارة صغيرة بكرامة شامخة، برأس مال كفله أبوها.
بينما كان هو يتسرب من بين أصابعها، كملحٍ ذاب في ماء الإهمال، غائبًا خلف سراب "الرزق".
المشهد الرابع: غدرُ الغياب.. وقسوة الخبر
عشر سنوات من الانتظار المر، ثم انفجر الخبر كالصاعقة:
«لقد تزوجتُ.. ورزقني الله بنتًا».
لم تسقط، بل توضأت بدمعها وقالت بلهجة الواثقين:
— «هذا رزقك.. بارك الله لك فيما وهب».
لكن القلب الذي جُرح في وفائه كان قد أعدّ حقائب الرحيل إلى "رحاب الله".
المشهد الخامس: الطلاق المُرّ.. وعزة النفس الشامخة
لم يكتفِ بهدم الوفاء، بل جاء يطلب "الفراق" ليفسح مكانًا لغيرها.
تمسكت بالبيت لا رغبةً فيه، بل صونًا لعشرة لم تَبعها يومًا.
قالت له بصوتٍ يملؤه الحزن:
«ابقَ.. ولن أُكلفك شيئًا، سأكون لك ظلًا».
لكنه أصرّ وأمعن في القسوة.
وحين أيقنت أن القلوب إذا أدبرت لا تُرد بالرجاء، وافقت على الرحيل.
فارقتْه دون مطالب، ودون ثمن لوفائها، مضت لا تملك إلا "كرامتها" ويقينها بأن الذي خلقها لن يضيعها.
المشهد السادس: مخاضُ الروح.. الأمومةُ البديلة
جاءها أرملٌ أثقله اليتم وأربعة أبناء. قال بكسرة لا تجرح:
— «أريد قلبًا يحتوي يتامى، لا امرأة تملأ بيتًا».
نظرت في عيونهم الذابلة، فرأت فيهم "أيوب" في صبره، ورأت في نفسها "رحمة" في وفائها.
وافقت، وصارت لهم أمًا بالروح قبل الجسد، صبّت فيهم حنانها المكبوت، فصارت وجوههم مرآة لعطائها.
المشهد السابع: شهقةُ القدر المعجز
غابت عنها عادة النساء، فظنتها وقار الشيب المبكر.
ذهبت للطبيب بلا قلق ولا أمل.
أطال الطبيب النظر ثم قال بذهول:
— «أنتِ حامل.. وفي الشهر الخامس!».
قف عند هذه الشهقة…
بكت صمت السنين، وطعنة الغدر، ومرارة الطين، وهمست:
«يا الله.. أبعد هذا العمر؟ أبعد أن ظننت أن الباب قد سُدّ بالمسمار؟»
ضحك القدر أخيرًا، وانبعثت الحياة من رماد المستحيل.
المشهد الأخير: العوضُ الباذخ
رزقها الله بولدين كفلقتي قمر، فصار في بيتها ستة أقمار.
كبر اليتامى فصاروا لها عزًا وحراسًا، تقلدوا المناصب، وانتظروا الصغيرين ليلحقا بهم.
وما نادوا امرأة بـ "أمي" بعد أمهم سواها.
وفي ليلة عرس أحدهم حملوها على أعناقهم قائلين:
— «أعطيتِنا روحكِ حين جفّت العروق، فخذي أعمارنا فداءً».
هناك اجتمع عوض الرحم بعوض القلب، وانمحت جراح المدينة بطهر الوفاء.
الخاتمة (بميزان اليقين)
قال تعالى:
{فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]
من دفتر المأذون أقول لك:
لا تحكم على حياتك من فصلٍ واحدٍ حزين.
فالكتاب بيد الذي يعلم النهايات.
إن الله لا يمنع ليعذب، بل يمنع ليؤدب، ويؤخر ليعظم العطية.
فكم من كرهٍ استبطن خيرًا كثيرًا، وكم من حرمان كان عين العطاء، وكم من رحيل بلا ثمن عوّضه الله بجنة لا ثمن لها.
تمت الواقعة.. ويبقى وجه الله ذو الجلال والإكرام
وسلام على من وعى فاعتبر،
وأعجب فعلق ونشر،
فالدال على الخير كفاعله.
تعليقات
إرسال تعليق