الجبل – بلغت ، اللهم فاشهد

طارق غريب يكتب :


             في أعماق الروح ، حيث تتلاقى الذكريات بالنبوءات ، والألم بالأمل ، والوداع بالبداية ، تقف أربعة جبال كأنها أعمدة الوجود البشري. ليست جبالاً من صخر فحسب ، بل من لحظات توقف فيها الزمن ، ورفع فيها بشر أصواتهم إلى السماء ، يبلغون رسالات ثقيلة ، ثم يودّعون ، تاركين خلفهم صدى لا ينتهي. أربعة جبال : طور سيناء ، نيبو ، الزيتون ، عرفات. كل واحد منها شهد وقفة نبي ، وكل وقفة كانت نوعاً من الوداع ، وكل وداع كان نوعاً من الإكمال.


أبدأ بطور سيناء ، الجبل الأول في الرحلة ، جبل النداء المباشر. صعد إليه موسى أربعين ليلة ، وحده ، بعيداً عن ضجيج القوم، فكلّمه الله تكليماً. أعطاه الألواح ، الوصايا العشر ، العهد الذي يقول : ' أنا الرب إلهك ،  لا تكن لك آلهة أخرى أمامي'. هناك ، في الظلام والنور معاً ،  بدأت الرسالة : توحيد لا يقبل شريكاً ، وناموس ينظم الحياة من أدق تفاصيلها إلى أعمق معانيها. لم يكن طور سيناء جبلاً للوداع ، بل للتلقي الأول ، للعهد الذي يُكتب بحرف النار على حجر القلب. ومع ذلك ، في كل تلق يختبئ وداع صغير : وداع للذات القديمة ، للوهم ،  للشرك الذي كان يسكن النفس قبل أن ينزل الناموس.


ثم جاء جبل نيبو ، أو فسجة ، جبل النظر من بعيد. بعد أربعين سنة تيه ، بعد معجزات الخروج ، والمن والسلوى ، والعجل الذهبي ، والتوبة ، وقف موسى على قمته ، ينظر إلى الأرض الموعودة التي لن يدخلها. كان عمره مئة وعشرين سنة ، جسده لا يزال قوياً ،  عيناه لم تضعف ، لكنه سمع الخبر : ' لن تعبر هذا النهر ' . فلم يتمرد ، لم يشكُ ، بل جمع قومه وألقى وصيته الطويلة : ' اسمعوا يا إسرائيل ،  اختاروا الحياة ، احفظوا العهد ، لا تنسوا الرب إلهكم' . كانت خطبته مزيجاً من التذكير بالنعم ، والتحذير من النسيان ، والبركة لمن يأتي بعده. هنا الوداع المؤلم : وداع الإنسان الذي حمل الأمانة طويلاً ، ثم تركها لآخرين ،  وهو يرى الثمرة من بعيد. نيبو ليس جبلاً للدخول ، بل للنظر ، للرضا بأن تكون حلقة في سلسلة أطول منك.

ثم انتقلنا إلى جبل الزيتون ، جبل السلام الداخلي والموعظة القلبية. جلس عليه عيسى ابن مريم ، بعد أن خرج من الهيكل، فتنبأ بتدميره ، ثم أدار وجهه إلى تلاميذه والجموع ، فألقى كلمات كأنها قطرات مطر على أرض جافة : ' طوبى للمساكين بالروح ،  طوبى للودعاء ،  أحبوا أعداءكم ،  باركوا لاعنيكم ، اسهروا ، لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم '. كانت موعظته تحولاً داخلياً : من الناموس الخارجي إلى الرحمة الداخلية ، من العدل الظاهر إلى المحبة التي تغير القلب قبل أن تغير العالم. ومن الجبل نفسه تنبأ بحروب ، زلازل ، ظلام الشمس والقمر ، ثم مجيء ابن الإنسان على السحاب. جبل الزيتون ، إذن، جبل الانتظار والاستعداد ، جبل يجمع بين الرجاء واليقظة ، بين الوداع المؤقت والعودة الموعودة.


وجبل عرفات ، جبل الرحمة والإكمال. وقف عليه محمد ، صلى الله عليه وسلم ، في اليوم التاسع من ذي الحجة ، محاطاً بمائة ألف ، أو يزيدون ، جاءوا من كل فج عميق. رفع يديه ، خطب خطبة الوداع : حرم الربا ، أبطل دماء الجاهلية ، أكد حرمة الدماء والأموال ، أوصى بالنساء خيراً ، أعلن :  ' لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى' ، ثم سأل : ' أيها الناس ، هل بلغت؟'  فردوا : ' نعم '. فقال : ' اللهم اشهد '. وفي تلك اللحظة نزل : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ". عرفات ليس جبلاً للتلقي الأول ، ولا للنظر من بعيد ، ولا للموعظة الداخلية فحسب ،  إنه جبل الإكمال ، الوداع الشامل ،  الرسالة التي تُبلغ للعالمين ، ثم تُختم بالشهادة الإلهية.


الآن، بعد عقود من التأمل ، أرى أن هذه الجبال الأربعة ليست متفرقة ، بل هي مراحل في رحلة واحدة :  

- طور سيناء : مرحلة التلقي والعهد الأول.  

- نيبو : مرحلة التضحية والوداع قبل الدخول.  

- الزيتون : مرحلة التحول الداخلي والانتظار.  

- عرفات : مرحلة الإكمال والتبليغ للجميع.


كل نبي وقف على جبله ، بلّغ رسالته ، ثم رفع صوته ،  بصيغ مختلفة  ،  قائلاً : بلغت. موسى بلغ الناموس واختار الحياة لقومه. عيسى بلغ المحبة والرحمة ودعا إلى السهر. محمد بلغ الكمال وطلب الشهادة من الله. وكل واحد منا ، في حياته الصغيرة ،  يصعد جبلاً أو أكثر : جبلاً ليتلقى حلماً أو وهماً ، جبلاً ليودع شباباً أو حلماً ،  جبلاً ليتعلم أن يحب حتى من أساء إليه ، وجبلاً أخيراً يقف فيه ليقول : بلغت ما استطعت ، اللهم فاشهد.


عقود العمر علمتني أن الجبل ليس مكاناً ،  بل حالة. كلما صعدت جبلاً في حياتك  ، جبل الفقدان ، جبل النجاح ، جبل الخيانة ، جبل العشق ،  وجدت نفسك مضطراً لتبلغ شيئاً : كلمة ، فعلاً ، صمتاً ،  دمعة. وفي النهاية ،  إن لم تبلغ ،  فما صعدتَ. والشهادة ليست من البشر وحدهم ، بل من الذي يعلم السر وأخفى.


فصوتي الداخلي يحدثني : في هذا الزمان الذي ضاعت فيه الجبال تحت ضجيج المدن ، أدعوك أن تبحث عن جبلك الخاص. ربما يكون غرفة صغيرة في الليل ، أو لحظة صمت أمام البحر ، أو وقفة أمام مرآة تعكس وجهك المتعب. اصعد ، بلّغ ما في قلبك ، ثم ارفع يديك ، وقل بصوت خافت أو عالٍ: بلغت ، اللهم فاشهد.


والسلام على الجبال الأربعة ، وعلى من وقفوا عليها ،  وعلى كل قلب يبحث اليوم عن قمته الخاصة ، يتدبر ، يبلغ ، وينتظر الشهادة.

طارق غريب - مصر


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة