بصمة الخلود في زمن العبور

بقلم الجبار نور الدين

لسنا مقيمين في هذه الحياة بقدر ما نحن عابرون فوق جسدها الهش. نمشي على الوقت كما يمشي الغريب على جسر لا يلتفت فيه طويلا، وكل خطوة نخطوها تترك سؤالا لا اثرا. غير ان بعض الارواح تأبى ان تمر بلا معنى، فتصنع من العبور بصمة، ومن اللحظة ذاكرة تقاوم الفناء.

الخلود ليس نقيضا للموت، بل هو نقيض النسيان. هو ان تظل الفكرة حية بعد ان يهدأ الجسد، وان يبقى الاثر نابضا حين تنطفئ الاصوات. في زمن يتسارع فيه كل شيء حتى المعاني، يصبح الخلود فعلا مقاوما، واختيارا اخلاقيا قبل ان يكون حلما ميتافيزيقيا.

نحن ابناء زمن العبور، زمن السيولة والاقتلاع، حيث تتبدل القيم كما تتبدل الوجوه، وحيث يقاس الانسان بما يملك لا بما يمنح. في هذا الزمن، لا يصنع الخلود بالضجيج، بل بالعمق، ولا يولد من كثرة الحضور بل من صدق الاثر. كم من اسم لمع ثم انطفأ، وكم من صمت ظل شاهدا حين سقطت الخطب.

بصمة الخلود لا تترك على الحجر بل على الوعي. هي تلك اللحظة التي يغير فيها انسان واحد مجرى الفهم، او يزرع معنى في قلب عابر اخر، فيمتد الاثر كما تمتد النار في الهشيم، لا تراه العيون لكن تشعر بدفئه الارواح. كل فكرة صادقة هي وعد بالخلود، وكل فعل نزيه هو محاولة للنجاة من النسيان.

لسنا مطالبين بان نكون خالدين، بل بان نكون صادقين مع ما نتركه خلفنا. فالعابر الحقيقي هو من لم يترك اثرا، اما من مر وترك في الطريق نورا، فقد هزم الزمن ولو مرة. وفي زمن العبور، يكفي ان نكون بصمة، لا لنخلد نحن، بل ليخلد المعنى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة