بين هواجس الفتنة وأسئلة الوعي
بقلم الجباري نور الدين
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة لم تعد تُدار بالقوة الصلبة، بل عبر ما يمكن تسميته بالهيمنة الناعمة: التحكم في الخطاب، إعادة تعريف المفاهيم، وصناعة ما يبدو طبيعيًا وبديهيًا في وعي الإنسان. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود قوى خفية تُدير العالم بقدر ما يكمن في تراجع القدرة النقدية لدى الأفراد والمجتمعات.
لقد أتاح التطور العلمي والتكنولوجي، بما فيه الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل، إمكانات غير مسبوقة لنشر المعرفة، لكنه في الوقت ذاته كشف هشاشة الوعي حين يُفصل التقدم التقني عن السؤال القيمي. فالعلم، في جوهره، منهج وصفي محايد، غير أن توظيفه خارج إطار أخلاقي واضح قد يحوّله من أداة تحرير إلى وسيلة إرباك ثقافي.
إن أخطر ما يميز عصرنا هو تطبيع الغريب عبر التكرار، لا عبر الصدمة. فالعقل لا يُقهر دفعة واحدة، بل يُدرَّب تدريجيًا على قبول ما كان يرفضه، حتى يفقد معايير التمييز بين الحقيقي والمتخيَّل، وبين الطبيعي والمصطنع. هنا تتآكل القدرة على النقد، ويحلّ الاعتياد محل الفهم.
وعلى المستوى الاجتماعي، لا تُفكك المجتمعات غالبًا بالمواجهة المباشرة، بل عبر الانقسام الداخلي واستنزاف الطاقة الجماعية في صراعات جانبية. حين تُختزل القضايا الكبرى في هويات متنازعة، وتُفرغ الأسرة والتعليم من بعدهما القيمي، يصبح المجتمع هشًّا وسهل التوجيه، لا لضعف موارده بل لغياب بوصلته المعنوية.
أما الدين، بوصفه إطارًا للمعنى لا مجرد طقس، فإن إفراغه من محتواه الأخلاقي أو تحويله إلى موضوع للسخرية لا ينتج عقلًا حرًّا، بل فراغًا قيميًا يجعل الإنسان أكثر قابلية للانقياد. فالمشكلة ليست في السؤال والنقد، بل في تحويلهما إلى أدوات لتفريغ المعنى لا لفهمه.
إن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب الخوف أو سرديات التآمر، بل إلى وعي نقدي متزن يميز بين الغيب والتحليل، وبين التقدم والتفلت القيمي. فالأمم لا تُحصَّن بالخوف، بل بالعقل، ولا تُستعاد بالانغلاق، بل بالبصيرة.
تعليقات
إرسال تعليق