أخلاق الكلمة وأمانة الحرف


في عالمٍ يزدحم بالأصوات وتتناقص فيه المعاني، تغدو الكلمة مسؤولية لا مجرد تعبير، ويصبح الحرف أمانة لا مجرد زخرف.  

فما يُقال ليس عابرًا، بل أثرٌ يترك بصمته في الروح والذاكرة، ويشهد علينا قبل أن نشهد به.  

هنا تبدأ رحلة التأمل في أخلاق الكلمة وأمانة الحرف، حيث يصبح الصمت وصية، والقول امتحانًا للوعي والإنسانية.  

أقف اليوم على شرفة الزمن، تلك المساحة المعلّقة بين الأزل والأبد.  

لا كمتفرجٍ عابر، بل كشاهدٍ يتأمل أثر خطواته في دروب الحياة.  

أرقب مساري، وأتأمل وجوه العابرين الذين تقاطعت طرقهم مع طريقي.  

فأدرك ـ بوضوحٍ مؤلمٍ وملهم في آنٍ واحد ـ أن الكلمة ليست مجرد ذبذبةٍ صوتية تنفلت من ضيق الحلق إلى سعة الفضاء.  

الكلمة طاقة حيّة.  

كائنٌ روحيّ له ثقل الجبال وقدرة الأقدار.  

بها نُحيي ما ظنناه رميمًا في النفوس، وبها نُجهز على ما تبقى من رمقٍ خفي.  

بها نُشعل قناديل الأمل في دهاليز اليأس، أو نُطفئ آخر شعاعٍ كان يقاوم العتمة بضراوة.  

وفي رحلتي هذه، أدركتُ أن الإنسان في عالمٍ محمومٍ بوسائل اتصالٍ بلا روح، قد انحدر إلى مجرد رقمٍ في إحصائية، أو وجهٍ عابرٍ في شاشةٍ باردة.  

وغاب عن وعينا أن كل إنسانٍ هو نصٌّ فريد، وكونٌ شاسع يختبئ خلف غلاف البشرة.  

كيانٌ يحمل في طياته ندوبًا لا تُرى، وأحلامًا وُئدت في مهدها، وأسئلةً وجودية تبحث عن مرفأ، وأملاً هشًّا يرتجف كخيط حرير في مهب إعصار.  

نحن ـ بسذاجة البشر ـ نكتفي بملامسة القشور.  

نرى البيوت من الخارج بألوانها الزاهية ونوافذها المصقولة، ونغفل عن تآكل الجدران من الداخل، وعن غرفٍ لم تزُرها شمس المودّة منذ زمن، وعن أنينٍ يملأ الفراغ دون أن يجد أذنًا تتقن فن الإصغاء للقلب.  

وقد علمتني السنون أن الكلمة القاسية ليست انفعالًا عابرًا، بل نصلٌ يُغمد في خاصرة الروح.  

جرحٌ لا ينزف دمًا، لكنه ينزف الكينونة ويستنزف احترام الذات ببطءٍ موجع.  

جرحٌ يتّسع بالصمت، ويتقيّح بالمرارة، ويورّث خيباتٍ تتناسل كإرثٍ مظلم بين الأجيال.  

وما وجدتُ في الوجود أقسى من التجاهل.  

ذلك النفي الصامت الذي يذبح المعنى دون سكين، ويهمس للآخر: "أنت والعدم سواء".  

فالحياد أمام الوجع اللفظي، وأمام السخرية والاستهزاء، ليس فضيلة.  

إنه تواطؤٌ مقنّع، ومباركة صامتة لانتصار القبح على الجمال.  

غير أنني، وفي ذروة هذا الوعي القاسي، شهدتُ الوجه الآخر للحرف.  

رأيت كيف يمكن لكلمةٍ طيبة، تُقال بصدقٍ في لحظة انكسار، أن تتحوّل إلى يدٍ عليا تمتد من سماء الرحمة، لتنتشل غريقًا من لجّة اليأس.  

ابتسامة صادقة، سؤالٌ دافئ، وكلمة تقول: "أنا أراك… أنا أشعر بك".  

ليست مجرّد لطفٍ عابر، بل بعثٌ جديد للروح، وإعادة ضبط لبوصلة الوجود التي أضاعها الضجيج.  

وفي عمق هذه الفلسفة التي أؤمن بها، أرى كل إنسانٍ مرآةً لي.  

حين أجرح غيري، أهدم ركنًا في محرابي الخاص.  

وحين أداوي جراحه بكلمةٍ حانية، أمنح الشفاء لروحي التي كانت تنتظر بلسم الإحسان.  

الأخلاق ليست نصوصًا تُحفظ، بل رؤية.  

بصيرة تتجاوز ظاهر السلوك، وتُدرك أن الكلمة هي المسؤولية الأولى، والأمانة الأثقل.  

هي تلك الأمانة التي عُرضت، فحملناها أحيانًا بجهل، وأدّيناها ـ حين وعينا ـ بوجعٍ ومسؤولية.  

لذلك، أدعو نفسي أولًا، وأدعوكم من مقام الشراكة في هذا الوجود:  

قبل أن نُطلق سراح الحروف، لنقف على عتبة الصمت لحظة.  

ولنسائل ضمائرنا بصدقٍ عارٍ:  

هل سيضيف هذا القول لمسة جمالٍ تبرّر وجوده؟  

هل سنبني به جسرًا للعبور، أم جدارًا للعزلة؟  

هل نضع دواءً في فم المتألم، أم نُدسّ سُمًّا بطيئًا في كأسه؟  

نحن جميعًا ركّاب سفينةٍ واحدة، تمخر بنا عباب زمنٍ لا يرحم.  

نحمل أوزارنا من الآمال والآلام، وكلٌّ منا ـ دون استثناء ـ يتوق إلى حرفٍ رقيق يخفّف وعثاء الطريق، وبرد الغربة.  

فلنكن نحن ذلك الحرف.  

ولنكن الكلمة التي تلمّ الشّتات، وترفض أن تُهين إنسانًا بلفظ، أو تُضيّع حقًّا بصمت.  

لعلّنا بذلك نُعيد لهذه الأرض معناها، ونجعلها مكانًا يليق بكرامة الروح، وبهاء الإنسان.  

فالكلمة، حين تُقال بصدق، لا تمرّ عابرة.  

بل تترك أثرًا، وتحمِل مسؤولية، وتشهد علينا قبل أن نشهد بها.  

وحين نختار أن نكون حرفًا نزيهًا في زمن الالتباس، نكون قد انتصرنا للإنسان، حتى وإن خسرنا ضجيج التصفيق.  

فلنكن نحن الكلمة التي تُعيد للإنسان كرامته، وللأرض معناها، وللوجود صدقه.  


بقلم:  

د. محمد شعوفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة