الفرق بين الدعوة والفتوى

رؤية فكرية في ضبط الخطاب الديني وتجديد مرجعيته

بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس

في زمن تتسارع فيه وسائل الإعلام وتتنوع منابر الحديث باسم الدين، اختلطت مفاهيم الدعوة والفتوى عند كثيرين، حتى صار بعض الوعّاظ يخلط بين التوجيه العام والإلزام الشرعي، وبين النصح الوعظي والحكم الفقهي. هنا تظهر الحاجة إلى تبيين الفرق بين المجالين وضبط من يتصدر لكل منهما، حمايةً للدين والناس من الحيرة والاضطراب.

التمايز المنهجي بين الواعظ والمفتى:

الدعوة أوسع، فهي ترغيب وترهيب وتذكير بالله وبث روح الإيمان والفضيلة، وتزكية النفوس بأسلوب حسن. أما الفتوى فهي أخص، تتعلق ببيان الحكم الشرعي في واقعة محددة وفق ضوابط العلم والاجتهاد وميزان المقاصد والمآلات.

تلازم الأدوار وحدود التأهيل:

كل مفتٍ يجب أن يكون داعية، فالفتوى دعوة إلى شرع الله، لكن ليس كل داعية يصلح للإفتاء، إذ يتطلب العلم الدقيق، والخبرة العملية، والخصائص النفسية والعقلية والمجتمعية. ومن أخطر ما يحدث: تصدّر الفتوى دون استحقاق.

مأزق الغلو والتفريط:

المتصدرون للفتوى المعاصرون ينقسمون إلى صنفين:

الأول يعتمد التشدد والرأي الأوحد، فيضيّق ما وسّعته الشريعة ويوقع الناس في المشقة.

الثاني يعتمد التمييع والتسطيح، فيفقد الشريعة معالمها بحجة التجديد.

كلا الصنفين منحرف عن وسطية الإسلام، قال الله: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" [البقرة: 143].

الإصلاح بالعلم والفكر والحوار:

العلاج لا يكون بالأمن أو السياسة، بل بالعلم والفكر والحوار الرشيد، وإحياء مرجعية علمية راسخة توازن الأقوال بميزان الشرع والعقل.

آليات الضبط المؤسسي وصلاحية التوثيق:

باب الفتوى يجب أن يُفتح لمن نال إجازة علمية وخبرة عملية، مع عرض الفتاوى الشاذة على لجنة علمية متخصصة تابعة للأزهر لتحاكمها علميًا وقانونيًا عند الحاجة. ويستلزم ذلك تمكين المؤسسات الدينية من أداء دورها بحرية وصلاحية التوثيق، ليكون معيار الأهلية والمشروعية في مخاطبة الجماهير.

خطورة الانتقائية في مواجهة التطرف:

ملاحقة المتشددين وتشجيع المنفلتين يعطي انطباعًا سلبيًا بأن الهدف محاربة التدين، في حين أن الغلوّ والتفريط ضاران بنفس القدر.

خاتمة:

حماية الفضاء الديني من العبث والارتجال أمانة في عنق المؤسسات والدولة، ولن يستقيم الخطاب الديني إلا بمنح أهل التخصص كامل الاستقلالية، ليبقى الدين منارة للهداية، وتظل الفتوى صمام أمان للمجتمع لا وقودًا للحيرة والفتن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة