أمي والاتحاد السوفيتي: أيام الغياب والعودة

ليست الحكايات ما نرويه، بل ما يروينا.

وليست الأمهات سطورًا في الذاكرة، بل ذاكرة تمشي على قدمين، وتنتظر.

في تلك القرية المتربعة على تلال الزيتون، حيث تسكن الأشجار أرواح من رحلوا، وتتنفس الأرض من تعب الزمان، وُلدت أمي. لم تفتح عينيها على حروف الكتب، ولا على مقاعد المدارس، لكن الحياة علّمتها ألف درس ودرب. كانت امرأة من طينة الأرض، قلبها مزروع بالحب، وعيناها لا تجفان من الحنين.

وكان الحنين، كما كانت تقول الحياة في سرّها، هو المدرسة التي لا أبواب لها، ولا شهادات، لكن خريجيها يعرفون معنى الصبر أكثر من غيرهم.

ذاقت مرارة الفقد مبكرًا، وفقدت بنتًا كانت تبني معها حلمًا من تراب وحليب، ثم مضى بها قطار العمر إلى بيتٍ تتوزع فيه الهموم بين غياب الأب وغربة الابن. كان والدي، الرجل الذي عرف التعب أكثر مما عرف الراحة، يحمل بندقيته في صمت، ويعود إلينا كلما استطاع أن يسرق من الواجب لحظة. رجلٌ لا يعرف الخوف، لا يركن لرتبة، ولا يخشى من هم فوقه، لكنه كان يرتجف أمام بكاء أمي، ويسعى بكل ما أوتي من جهد ليهيئ لنا سبل الحياة الكريمة.

وكأن الرجولة، في امتحانها الأخير، لا تُقاس بما نحمله من سلاح، بل بما نرتجف له حبًا.

وسعيد، سعيد كان ضوءها الأول. لم يكن مجرد ابن، بل كان وعدًا تحقق في عمر الشقاء. تناديه بـ"محمد"، لأنه الاسم الذي يشبه نبض قلبها، وكان له في صدرها مقعدٌ لا ينافسه فيه أحد. حين ذهب إلى سوريا، كانت تذهب إليه كلما استطاعت. وحين قرر السفر إلى الاتحاد السوفييتي، شعرت وكأن قلبها خُلع من بين ضلوعها.

فالابن، حين يبتعد، لا يبتعد عن البيت، بل عن نبض الأم.

يا لذلك اليوم! يوم قالت له السماء: خذك الله إلى بلاد لا نعرفها، بلاد الثلج والبعيد. ما كانت تعرف السياسة، لكنها كانت تعرف أن ابنها صار غريبًا في أرضٍ لا تنام. لم تكن تقرأ، فكنتُ أنا لسان رسائله وصدى حروفه، أقرأ عليها كلماته فتتنفس، تبكي، تضحك، وتعيد قراءة الرسالة من ذاكرتي.

وهكذا، كانت الكلمات تُقرأ بالقلب قبل العين، وكان الصوت بديلاً عن الورق.

وما كان في بيتنا هاتف، فيا لغرابة الشوق! كان يُرتّب اتصاله مع أهل جميل الخطيب الذي كان يدرس معه في الاتحاد السوفييتي، فترحل أمي بسيارة من حبراص إلى كفرسوم، وما إن تسمع صوت الهاتف يرن، حتى تسألهم بلهفة:

"وين أذني؟"

وقد وضعت السماعة على خدها من شدة الشوق.

وكأن الخد صار أذنًا، وكأن الجسد كله تحوّل إلى انتظار.

تمر الأيام. يغيب سعيد سنوات طويلة، يحمل همّ فلسطين في قلبه، يرفع راية العروبة، يُنتخب رئيسًا لاتحاد الطلبة الأردنيين والعرب هناك. وكان محبوبًا بصدق، صادقًا في انتمائه، حنونًا في تعامله، يترك في قلب كل من يعرفه أثرًا لا يُمحى. لكن الشائعات لا ترحم. رجلٌ من رجال الأمن، لا ندري إن كان من الناس أو من ظلهم، راح يقول إن محمد لا يعود، بل إنه محكوم عليه بالإعدام. يومها، لم تنم أمي. غابت عن النوم كما غاب ابنها عنها.

فالخوف، حين يدخل قلب الأم، لا يحتاج إلى دليل.

لكن والدي، الذي لا يخاف من أحد، ذهب وسأل، فكان الخبر محض كذب. وعادت أمي تنام، تنام نوم الأرض بعد المطر.

وهناك، فقط هناك، عرفت الحياة أن الطمأنينة ليست نومًا، بل تصديقًا.

كنا نحب سعيد كما تحبه. بل كأننا نحبها فيه. لم نغار يومًا، بل كنا نبكي لبكائها، نضحك لضحكتها. وكان سعيد، كما نراه، قديسًا من قديسي المحبة. كان صادقًا، حنونًا، محبوبًا ممن عرفه وممن لم يعرفه. رجلٌ لا يتكلم كثيرًا، لكن كلامه يطبع في القلب أثرًا لا يُنسى.

بعض الناس يمرّون في حياتنا، وبعضهم يسكنونها.

وفي أواخر آذار من عام 89، كان لنا موعدٌ مع الفرح. اجتمع الأحبة، امتدت الأذرع، وركبت القلوب باصًا إلى المطار. لم يحملوا الزهور، بل حملوا شوقهم، ولهفتهم، وخوفهم من ألا يكون الحلم حقيقيًا. وأمي كانت ترتعش. وعندما رأت سعيد، ضمته حتى كادت تعيده إلى رحمها، وكأنها تقول:

"ها قد عاد، وقد عادت الحياة معه."

ذلك اليوم، لم يكن عاديًا. كان ولادة جديدة لأمي، وكان لنا نشيدًا يُرتّل في ليل الحنين.

فالعودة، حين تطول، تصير عيدًا.

كانت أمي تحكي عن ذلك اليوم كأنها تخشى أن تنساه، وتحكي عن سعيد كأنه لم يغادر قلبها لحظة. وما زلنا نحن، نحمل في قلوبنا ذلك الحب، وتلك اللحظة، وتلك الأم التي علمتنا أن الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بالدمع، بالصبر، وبالانتظار الطويل.

من دفاتر الذاكرة:

أحمد عبيدات


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة