ومضة بين رحم الأزل ولحد الفناء


منذ الأزل، والإنسان يفتش عن معنى وجوده بين بدايات غامضة ونهايات محتومة. 

وما بينهما، تتشكل الحكاية التي نحياها جميعًا، كرحلة خاطفة بين رحم مظلم ولحد مظلم، لا نملك فيها إلا أن نبحث عن بصمة نور وسط العتمة.


منذ أن وعيت، وأنا أتساءل عن هذه الرحلة العجيبة التي بدأت بي من ظلمة لا أعرفها، وستنتهي بي إلى ظلمة لا أستطيع تصور ملامحها. 

وبينهما أقف حاملاً قلبي بين يديّ، أبحث عن بوصلة تُرشدني في هذا التيه. 

أدرك، مع كل خفقة، أن ما أكتبه ليس سوى محاولة لإنقاذ المعنى من غرقه في بحر العادة، ولإيقاظ ذلك الوميض الذي يسكن أعماق كل روح مهما أثقلتها الأيام.

أكتب لأقرب نفسي من حقيقتها، ولأقرب القلوب من بعضها، ولأُشعل نور الوعي بأن الحب والعدل هما الطريق الوحيد لنكون أكثر إنسانية، وأكثر استحقاقًا لهذه الحياة. 

أقف متأملاً مسيرتي من العدم إلى العدم، وأطرح على نفسي السؤال الأزلي: 

ما خلقي؟ 

وما غايتي في هذه الرحلة الخاطفة؟ 

فأجدني مدفوعًا إلى البوح بتأملاتي، علّني ألمس شغاف القلوب الواعية، وأشاركها وعياً يولد من رحم المعاناة والتأمل.


إنها محاولة لإضاءة الدرب بين ظلمتين: 

ظلمة الجهل بسر الكون، 

وظلمة النسيان لفنائه. 

رحلة بحث عن الثبات في عالم الزوال، وعن المعنى في قلب العبث الظاهر.


في الطفولة، كنت أرى الطبيعة كتابًا مفتوحًا؛ الشجرة معلمتي الأولى، والسماء دفتر أسراري. 

هناك تعلمت أن البساطة هي أصدق أشكال الحكمة، وأن الحنان هو أول بذرة للوعي. 

ثم كبرت فتىً تتفجر داخله الأسئلة والرغبات، فشابًا يظن أنه يمتلك العالم، ثم رجلاً تحفر التجارب على جبينه أخاديد الحكمة أو اليأس. 

وفي كل مرحلة أخلع جلداً وأرتدي آخر، وأظن أنني وصلت، حتى تفاجئني المرحلة التالية بكشف جهلي السابق. 

هكذا تمضي الولادات الصغيرة داخل الولادة الكبرى، كمدارج ترتقي فيها الروح؛ فكل فجر يبعثني جديدًا، وكل غروب يدفن جزءًا مني.

أرى الزمن يقلب الصفحات في غمضة عين، فتتبدل معالم عالمي دون استئذان. 

أمام هذه القدرة العليا أشعر بضعفي الإنساني كورقة خريف تتهالك في مهب الريح، عاجزة عن صدّ رياح الفناء حين تهبّ لتبعثر الأحبة كالتراب، بينما العالم يستمر في دورانه المحايد وكأن شيئًا لم يكن.

يمر الوقت كالسحاب، يمنحني لحظات حلاوة تذوب سريعًا، ثم يسقيني مرارة فراق تثخن القلب. 

أدرك أن عجزي أمام الزمن لا يُهزم إلا بروح تستمد نورها من الحكمة الأزلية. 

روح تجد سكينتها في التسليم، لا في الاستسلام. 

لذلك نبشت في ضعفي عن موطن قوة خفية، عن قدرة الروح على النهوض قبل أن يحين الأوان. 

أُعيد تشكيل ذاتي من الداخل، أهذب غريزتي، وأروض نفسي لأكون رقعة من الجمال تعكس جمال الكون. 

أتعلم فن قبول الأشياء كما هي، متكئًا على يقين بأن كل تدبير، وإن خفيت حكمته، من لدن حكيم عليم.

آليت على نفسي أن أجعل محبة الخير للآخرين نهجًا ثابتًا. 

فما أريده لنفسي من سعادة وطمأنينة أسعى أن يكون حظًا لأخي في الإنسانية. 

أرفض الظلم بكل أقنعته، لأنه جرثومة الموت الاجتماعي. فالعدل، في يقيني، هو عمود الوجود الأخلاقي؛ به تقوم المجتمعات، وبدونه تنطفئ الأنوار. 

والعدل، في جوهره، ليس إلا الوجه الآخر للحب.

فالحب ليس أغنية عاطفية، بل قوة تربطني بذاتي، وبالأقارب والأحبة، ثم تمتد لتشمل البشرية بأسرها. 

هو الترياق الذي يشفي أوجاع التاريخ، ويزيل الحواجز المصطنعة، ويحيل ضعف الفرد إلى قوة جماعية جبارة. 

حين أمد يدي بالمحبة، فأنا لا أتفضل على أحد، بل أرتقي إلى مقام البناء المشترك لعالم يستظل الجميع بسلامه. 

فالسلام الذي أبتغيه ليس هدنة بين متحاربين، بل هو حضور دائم للرحمة في اللقاءات، وعهد بين الضمائر أن تعيش تحت سقف الكرامة المشتركة.


بالحب نستعيد إنسانيتنا، وبالعدل نُعيد توازن الأرض، وبالحرية الداخلية نسمح لكل كائن أن يزهر على ما خُلق له. وفي كل شروق أرى نهايتي تقترب، وأدرك أن ساعتي آتية لا محالة. 

ما يشغلني ليس طول الطريق، بل عمق الأثر. 

سأرحل كما رحل من قبلي، ولن يبقى مني إلا صدى كلمة طيبة، وظل عمل صالح، وذكرى يد ممدودة.

لذلك أدعو نفسي، وكل روح تلامسها هذه الكلمات، أن نحول رحلتنا القصيرة من الرحم إلى اللحد إلى قصيدة حب وعدالة. لنزرع الخير في كل قلب، ولنروي شجرة العدل قبل فوات الأوان. فلعل في هذا الوعي المشرق بالمصير نجد الخلود الحقيقي: خلود الأثر الطيب، وخلود الروح المتصلة بإرادة الخير والجمال.  


نمضي جميعًا، لكن يبقى الأثر، ويبقى الحب هو اللغة الوحيدة التي لا تفنى. 

وهكذا تستمر ملحمة الوجود: تخرج أرواح، وترحل أخرى، وتبقى الرسالة متقدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


بقلم:  

د. محمد شعوفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة