المقال (86) من سلسلة نهضة الأمة"

بناء العقل المسلم بين أصالة الوحي، ومعاصرة الفكر".

_____________________________

مقدمة:

لا نهضة لأمةٍ بلا عقلٍ واعٍ، ولا عقلَ راشدًا بلا ميزانٍ يهديه. والعقل المسلم الذي صنع حضارةً امتدت قرونًا لم يكن عقلًا منغلقًا ولا مقلِّدًا، بل عقلٌ مستنير بالوحي، منفتح على الواقع، فاعل في العصر دون ذوبان. من هنا تأتي ضرورة إعادة بناء العقل المسلم ليجمع بين أصالة المرجعية، ومعاصرة الأدوات.

_______________________________

أولًا: العقل في الرؤية الإسلامية

تكريمٌ ،ووظيفة:

كرّم الإسلام العقل وجعله أداة الفهم والتدبر، لا مصدر التشريع المستقل عن الوحي. قال تعالى:

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

فالعقل في الإسلام وظيفته الفهم والتنزيل، لا الإلغاء أو التحكّم في النص. قال الإمام الشافعي: “العقل يُستعمل لفهم النص، لا لمعارضته”.

_________________________________

ثانيًا: أصالة الوحي… الجذور التي لا تُقتلع:

_أصالة الوحي تعني:

مرجعية القرآن والسنة في التصور، والقيم، والمنهج.

ثوابت لا تتغير: العقيدة، المقاصد، الأخلاق.

تحرير العقل من الأهواء والتقليد الأعمى.

قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾

وقال ابن تيمية: “العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح”.

________________________________

ثالثًا: معاصرة الفكر… أدوات العصر بلا ذوبان:

المعاصرة ليست تقليدًا للغرب، بل استيعاب واعٍ:

توظيف العلوم الحديثة ،والتقنيات.

الانفتاح على التجارب الإنسانية النافعة.

تطوير آليات الاجتهاد، والتنزيل.

قال ابن عاشور: “الشريعة صالحة لكل زمان، وتتجدد بتجدد فهوم المجتهدين”..

_______________________________

رابعًا: الخلل بين الإفراط، والتفريط؛

تفريط: عقل يُقصي الوحي باسم الحداثة؛ فيتيه بلا بوصلة.

_إفراط: عقل يُقصي الواقع باسم المحافظة؛ فينعزل ويتكلّس. والمنهج الحق هو الوسطية: وحيٌ يحكم، وعقلٌ يعمل، وواقعٌ يُفهَم.

قال تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

_________________________________

خامسًا: ملامح العقل المسلم المنشود:

_رباني المرجعية: ينطلق من الوحي.

_نقدي واعٍ: يميّز ولا ينخدع.

_واقعي إصلاحي: يقرأ الواقع ليغيّره.

_مقاصدي: يوازن بين النص والمآل.

_حضاري بنّاء: يسهم في العمران والنهضة.

_________________________________

سادسًا: دور التربية في بناء العقل:

_الأسرة: زرع السؤال الواعي لا القمع.

_المدرسة: تعليم التفكير لا الحفظ فقط.

_المسجد: ربط الإيمان بالعمل والواقع.

_الإعلام: صناعة الوعي لا التزييف.

قال الغزالي: “العلم بلا عقل وبصيرة قد يكون وبالًا على صاحبه”.

________________________________

سابعًا: من بناء العقل إلى نهضة الأمة:

حين يُبنى العقل المسلم:

تُستعاد الهوية بلا انغلاق.

تتحقق الفاعلية بلا تبعية.

تولد النهضة من داخل الأمة لا باستيرادها.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

_________________________________

خاتمة:

بناء العقل المسلم ليس ترفًا فكريًا، بل فريضة حضارية. هو مشروع أمةٍ تبحث عن ذاتها، وتستعيد دورها، وتكتب مستقبلها بيدٍ تمسك بالوحي، وعقلٍ يعمل في العصر، وقلبٍ عامر بالإيمان.

وما أحوج نهضتنا اليوم إلى عقلٍ مسلمٍ أصيلٍ… معاصرٍ… راشد.

اللهم فرج كرب أهل في غزة زالسودان يارب العالمين.

____________________________

دعوة _تربية _نهضة الأمة.

الدكتور عيد كامل حافظ النوقي .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة