رِحْلَةٌ إِلَى الْأَمَلِ
-------------
فِي لَيْلَةٍ حَالِكَةٍ الظُّلَامِ، جَلَسَ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، تُحِيطُهُ ظِلَالُ الصَّمْتِ، وَكَأَنَّ الْجُدْرَانَ نَفْسَهَا قَدْ تَآَمَرَتْ عَلَيْهِ لِتَعْمِيقِ وِحْدَتِهِ. كَانَتْ عَيْنَاهُ شَاخِصَتَيْنِ نَحْوَ الْفَرَاغِ، لَا تَعْبِيرَ فِيهَا، لَا حَيَاةَ. كَانَتْ تُغَلِّفُهَا سَحَابَةٌ مِنْ الْحُزْنِ وَالْفَقْدِ.
كَانَ يَعْمَلُ مُعَلِّمًا فِي إِحْدَى الْمَدَارِسِ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَكَانَ يُحِبُّ عَمَلَهُ بِشِدَّةٍ، حَيْثُ كَانَ يَجِدُ فِي تَعْلِيمِ الْأَطْفَالِ سَعَادَةً غَامِرَةً. لَكِنَّ رَحِيلَ وَالِدَتِهِ أَثَّرَ فِيهِ كَثِيرًا، فَبَدَأَ يَشْعُرُ بِالْفَرَاغِ الدَّاخِلِيِّ، وَفَقَدَ شَغَفَهُ بِكُلِّ مَا كَانَ يُحِبُّهُ.
لَمْ يَعُدْ يَخْرُجُ مَعَ أَصْدِقَائِهِ، وَلَمْ يَعُدْ يَزُورُ عَائِلَتَهُ. كَانَ يُجَاهِدُ أَنْ يَجِدَ مَعْنًى فِي حَيَاتِهِ الْبَاهِتَةِ، لَكِنَّ كُلَّ مَا كَانَ يُرِيدُ فِعْلَهُ هُوَ الْجُلُوسُ فِي غُرْفَتِهِ، غَارِقًا فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الْمُظْلِمَةِ.
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، سَمِعَ صَوْتًا مَأْهُولًا يُنَادِيهِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ. اِلْتَفَتَ إِلَى الْوَرَاءِ، فَوَجَدَ صَدِيقَهُ يَقِفُ هُنَاكَ، مُبْتَسِمًا لَهُ بِشَفَقَةٍ. كَانَ صَدِيقُهُ يَعْرِفُهُ مُنْذُ أَيَّامِ الْجَامِعَةِ، وَكَانَ قَدْ لَاحَظَ التَّغْيِيرَ الْكَبِيرَ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ.
حَاوَلَ صَدِيقُهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَجِيبُ. قَرَّرَ صَدِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَى الطَّبِيبِ، آمِلًا أَنْ يَجِدَ الْحَلَ لِمُشْكِلَتِهِ.
فِي عِيَادَةِ الطَّبِيبِ، جَلَسَ وَتَحَدَّثَ عَنْ مَشَاعِرِهِ، وَكَيْفَ أَنَّهُ فَقَدَ شَغَفَهُ بِالْحَيَاةِ. اسْتَمَعَ إِلَيْهِ الطَّبِيبُ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ بَدَأَ يُشْرَحُ لَهُ مَا يَحْدُثُ.
بَدَأَ فِي حُضُورِ جَلَسَاتِ الْعِلَاجِ مَعَ الطَّبِيبِ، حَيْثُ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَيْفَ يُوَاجِهُ مَخَاوِفَهُ. تَعَلَّمَ أَنَّ هُنَاكَ دَائِمًا أَمَلًا فِي التَّعَافِي.
بِمُرُورِ الْوَقْتِ، بَدَأَ يَسْتَعِيدُ شَغَفَهُ بِالْحَيَاةِ. بَدَأَ يَخْرُجُ مَعَ صَدِيقِهِ، وَيَسْتَمْتِعُ بِالْأَنْشِطَةِ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا. تَعَلَّمَ كَيْفَ يَتَوَاصَلُ مَعَ الْآخَرِينَ، وَكَيْفَ يَطْلُبُ الْمُسَاعَدَةَ عِنْدَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا.
عَادَتْ إِلَيْهِ ابْتِسَامَتُهُ الَّتِي اخْتَفَتْ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَعَادَتْ إِلَى قَلْبِهِ الْحَيَاةُ. أَدْرَكَ أَنَّ الْحَيَاةَ مَلِيئَةٌ بِالْأَلْوَانِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رَسْمِ لَوْحَتِهِ الْخَاصَّةِ، مَلِيئَةً بِالْحُبِّ وَالسَّعَادَةِ.
فِي إِحْدَى الْجَلَسَاتِ، سَأَلَهُ الطَّبِيبُ: "مَا الَّذِي جَعَلَكَ تُرِيدُ التَّغْيِيرَ؟" أَجَابَ: "صَدِيقِي. لَقَدْ كَانَ دَائِمًا بِجَانِبِي، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنِّي. وَأَنْتَ، لَقَدْ سَاعَدْتَنِي عَلَى فَهْمِ نَفْسِي."
اِبْتَسَمَ الطَّبِيبُ وَقَالَ: "التَّغْيِيرُ يَبْدَأُ مِنْ الدَّاخِلِ. أَنْتَ مَنْ قُمْتَ بِالتَّغْيِيرِ، وَأَنَا مُجَرَّدُ مُرْشِدٍ."
عَادَ إِلَى حَيَاتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِهِ. أَدْرَكَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الْفَقْدِ، بَلْ تَسْتَمِرُّ، وَأَنَّ الْأَمَلَ دَائِمًا مَوْجُودٌ.
-----------------
بقلمى/ عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
تعليقات
إرسال تعليق