هل أجفف دموعي؟

قد تشقى أيُّ امرأة عند طلاقها… أما أنا فلا أعرف: أأحزن أم أفرح؟ أأشقى أم أسعد؟ أأبكي أم أضحك؟

فعلى قدر بكائي لما آلت إليه حياتي الزوجية، بقدر ما خشيت أن يتهمني الناس بالجنون لو صرختُ بأعلى صوتي أعلنها صراحة أن اليوم هو أسعد أيامي؛ فقد أحسست أنني كالعصفور الذي خرج من القفص إلى رحاب الحياة الواسعة يشعر بحريته التامة.

لقد شقيتُ في حياتي الزوجية ما لم تشقَ منه أي زوجة.

أسامة زوجي –سامحه الله– لا يقبل أيَّ حوار بيني وبينه، ويرى أن ما يقوله لا جدال فيه، وأن الأمور كلها، صغرت أم كبرت، ترجع إليه وحده.

لا نقاش… ولا رجعة فيما يأمر به، فضلًا عن غيرته الشديدة لدرجة أنني أحسست بالاختناق، إذ كان يلاحقني في كل وقت: ما أقول، وما أفعل… لا يعنيه اختيار الوقت المناسب، حتى لو كنت بين أهلي، أو مع جيراني، أو صديقاتي، أو على الهاتف عندما أتحدث مع أيٍّ منهم.

وكان يتابع مكالماتي في الخفاء أو العلن، حتى أغلقت هاتفي تمامًا، وتوقفت عن زيارة أو استقبال أي أحد، فعشت في عزلةٍ تامة بسبب غيرته الشديدة.

وليس هذا فحسب، بل قرر تأجيل الإنجاب لوقت غير معلوم، فلم أدرِ: هل يريدني حبيسةً له في سجن الحياة الزوجية، أم يريدني جسدًا بلا روح يشبع نزواته فقط؟!

ظننت في بداية الأمر أن غيرته بسبب حبه لي، لكنني أيقنت أن غيرته لا تعني سوى أحد أمرين:

إمّا أنها تعني امتلاك الشيء وعدم التفريط فيه، كالطفل الذي لا يريد أن يقترب أي طفل آخر من لعبته، حتى لو كانت مكسورة لا نفع لها…

وإمّا أنه يخشى أن يتهمه أحدٌ بأي شيء يمس رجولته؛ أي خوفًا على نفسه فقط، والغيرة هنا لا تنمُّ عن أي عاطفة من قريب أو بعيد.

وإذا ناقشته في أي أمر انهال عليَّ بالضرب والسباب بأقذر الكلمات.

وقد بذلتُ ما في وسعي حتى لا يصل الأمر بيني وبينه إلى هذا المنحدر الضيق، حتى لا أشعر بتقصيري في دوري كزوجة، ولا يتهمني أحد بذلك.

بكيتُ بشدة عندما تسلمت وثيقة الطلاق، فقد ظن البعض أنني أبكي لهذا الأمر فحسب، إذ إن الناس تدرك تمامًا أن الطلاق طعنةٌ قاسيةٌ تُدمي قلب أي امرأة، سواء جاء طوعًا أو كرهًا… لأن الناس تنظر إلى المرأة المطلقة على أنها فشلت في دورها كزوجة، وأنها لم تحرص على بقاء زوجها في حياتها، ولم تحافظ على استمرار حياتها الزوجية.

ولا أدري لماذا يُوجَّه اللوم إلى المرأة المطلقة وحدها رغم أن الأمر غالبًا بيد الزوج، الذي يسعى إلى الانفصال دون أن يبذل جهدًا لإيجاد حلول قبل ذلك؟!

فزوجي لا يرى إلا ما يراه… والمرأة عنده: لا تفكر، لا تعارض، لا ترفض… تخضع، تطيع، تذل، وتنزف من جراء الانفصال وما يترتب عليه.

وهل يُسأل الزوج عن الذبيحة التي ذبحها وألقى بها بعيدًا… بلا رحمة، ولا أدنى تقدير أو اعتبار لها؟!

وقد يحرص الرجل على الحصول على إقرار مكتوب من مطلقته بأنها لن تطالبه بأي حق من حقوقها، إمعانًا في اللامبالاة تجاهها، ولكي يشعر أنه قد أحكم طعنته لها… وبعد ذلك يزهو بانتصاره، ويرفع رأسه فخرًا بأنه خرج فائزا، وأن امرأةً لن تهزمه أبدًا.

ليت أمّي لم تمت… فهي الحضن الدافئ الذي أشعر بالطمأنينة والراحة كلما ضاقت بي الحياة وظلمني فيها البعض، ولا سيما الزوج.

وقد نصحني البعض أن أنسى ما حدث، وأن أعود إلى عملي، وبالفعل عزمتُ على ذلك.

وذات يوم، وأنا في مكتبي بمفردي، تذكرت ما أصابني وما أعانيه من نزيف جراء ما فعله زوجي بي وأفقدني الإحساس بالحياة، فانهارت دموعي بلا انقطاع…

وهنا حدثت مفاجأة:

فوجئت برجل يناولني منديلًا، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، وطلب مني برفق أن أجفف دموعي.

– حضرتك الأستاذة ليلى؟

– نعم، أنا ليلى.

– أنا أحمد… وقد علمتُ من جارتنا منال ما حدث لك، والمعاناة التي مررتِ بها في حياتك الزوجية.

– …

– أعجبني كثيرًا حرصك على القيام بدورك كزوجة لوجه الله، ومدى صبرك وقوة تحمُّلك لمواجهة صعاب الظروف.

– …

– لقد ظللتُ طوال عمري أبحث عن زوجة مناسبة تتوفر فيها صفات معيّنة، ولم أجدها إلا فيك يا أستاذة ليلى.

– …

– أعرف أن التوقيت ليس ملائمًا لهذا الحوار… ولكن أعتقد أنه لا يمنع أن أقف بجوارك وأخفف عنك، ونحاول معًا نسيان ما حدث، ونبدأ صفحة جديدة لنعيش الحاضر والمستقبل معًا؛ فنحن نعيش الحياة مرة واحدة.

– …

– ها أنا أمدّ يدي لك… أنا الآخر بحاجة إلى امرأة مثلك، فقد عانيت كثيرًا في البحث عن المرأة المناسبة للزواج، وتعثرتُ في هذا الأمر بشكل لا يخطر ببال أحد أبدًا.

لا أعرف لماذا تركته ليقول لي كل هذا… وكيف لازمتُ الصمت بهذه الصورة أثناء حديثه؟

هل لأن حديثه جاء مفاجأة لم أتوقعها فعجزتُ عن الرد؟ أم لأنني أحسست بالفعل –كما أخبرتني صديقتي منال– أن أحمد شخصية عاقلة هادئة تتسم بالشفافية والصدق فيما يقوله ويحس به؟

لا أخفي سرًا بأنني أحسست كأني أعرفه منذ زمن بعيد، لبساطته وطلاقة تعبيره عما بداخله، الأمر الذي جعلني أرتاح نفسيًا لحديثه معي.

وجلست أفكر…

هل آذَن له بدخول حياتي؟ أم أُعرِض عنه خشية أن أتعرض لمأساة أخرى؟

ولا يزال المنديل في يدي… ولا أعرف: هل أجفف به دموعي؟ أم ألقيه بعيدًا عني؟!

مع تحياتي

(بقلمي عبد الفتاح حموده)


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة