في رحاب الضاد:

ملحمة الروح والكلمة


في حضرة اللغة، حيث تتقاطع الأرواح مع المعاني، أكتب لا لأصف، بل لأكشف سرًّا دفينًا.  

أكتب هذه الكلمات لا لأُخلِّد حرفًا على الورق، بل لأُحرِّر نبضةً حُبِست طويلًا بين أضلاع الروح، تبحث عن مرفأٍ آمنٍ في كونٍ تغمره الضوضاء وتُهمل فيه الأصوات الصادقة.  

لست أكتب ترفًا، ولا لأُزاحم النصوص في سوق الحبر، بل لأُصغي إلى الهمس المتواري في أعماقي، ذلك الذي يقول إن اللغة ليست وسيلة للنطق فقط، بل موطنٌ تُهاجر إليه الأرواح حين تتعب من الغربة، وسماءٌ تحتفظ بملامحنا الحقيقية قبل أن يشوّهها صخب العالم.


في هذا الفضاء الرحب من الضاد، أدركت أنّ الكلمة ليست جسدًا لغويًا محدودًا، بل كيانًا نابضًا بالحياة، يسري في عروقي كدمٍ يتذكّر أصل النشأة.  

هنا، أجدني أقف على مشارف العزلة، لا هروبًا من العالم، بل عودةً إلى مقامات الذات؛ إلى تلك البقعة الوجودية التي تتكشف فيها المعاني حين يسكن الصوت، ويصير الصمت لغةً عليا.  

هناك فقط، اكتشفت أن الحروف ليست زخرفًا على السطور، بل مرافئ روحية تشهد أننا كنّا يومًا واحدًا، قبل أن تُجزّئنا حدود الأرض، وتُصادِرنا طوائف الهوية، وتعلّمنا المدارس كيف نكون خصومًا لا مرآيا يكمل بعضنا بعضًا.


أبحرتُ في لجج المعنى لا سفينةً تحملني، بل كلمةً تُنير الطريق.  

أدركت أن الرحلة ليست في جغرافيا المكان، بل في عُمق الوجدان.  

إنها عودةٌ إلى المنارة الأولى، إلى تلك البذرة التي أُودِعت سِرَّ الإنسان: لغةً وحنينًا ونبضًا.  

ما جئت لأُثبت ذاتًا مصطنعة، ولا لأرفع لواء هويةٍ خرساء؛ جئت عاري القلب من كل تعصب، حافي الروح من كل حقد، كورقةٍ سقطت من شجرة، لكنها ما زالت تحمل ذاكرة الجذر، وتؤمن أن الأصل واحد مهما بعثرت الرياح فروعها.


هنا، حيث تتسابق الأرواح قبل الأسماء، أدركت أن الانتماء ليس بطاقةً تعريفية، بل نبضٌ إنسانيٌّ مشترك، يُذكّرني بأنني لم آتِ من فراغ، بل من ذاكرةٍ حملت أول الحروف، أول المعاني، أول الحب.  

الضاد ليست حرفًا أفخر به، بل وطنًا أتفيّأ ظلاله حين تتعب الروح، وأسمع فيه صدى الإنسان وهو يُسمّي الأشياء لأول مرة، قبل أن تتنازع اللغات على ملكية المعنى.


إن كل حرف أنقُشه هنا ليس صرخةً نرجسية، بل أنينُ قلبٍ يبحث عن شفاء.  

وكل كلمةٍ أنحتها من صخر الصمت ليست استعراضًا، بل بلسمًا لروحٍ أرهقها النسيان.  

ما جئت بالكلمة لأُثير خلافًا، ولا لأغرس حدودًا جديدة، بل لأقول ببساطة: نحن أبناء جرحٍ واحد، لا يُضمده سوى الحب.  

والحب وحده هو اللغة التي لم تُدنَّس بعد، هو المقاومة الأخيرة أمام العدم، هو الصوت الذي يجعل للوجود معنى، وللمعنى حياة.


ما أجمل أن تكون اللغة سقفًا لنا جميعًا، مظلةً من نور، لا تُفرّق بين شاعرٍ وأديب ومفكرٍ ومهاجر، بل تجمعهم في فسحة جمال لا يسأل فيها أحدٌ عن هويتك، بل عمّا تُخبئه في قلبك من نبض.  

في هذا الوطن الروحي، أدركت أن الجمال ليس وصفًا ترفيًّا، بل هو البُعد الرابع الذي يمنح الزمان والمكان معنى يتجاوز الملموس.  

هو جواز السفر الوحيد الذي لا تُصادره السلطات، ولا يُهرّبه الخوف.


كم أتمنى أن تبقى هذه المنابر الأدبية شاهدةً على صَحوٍ لا على سَهو، على يقظة ضمير لا على تخدير وعي.  

لتبقَ مستشفىً للأرواح التي أنهكتها المادية الصمّاء، ومنبرًا للكلمة الطيبة التي لا تكره ولا تُفرّق، بل تُعلِّم أبناءنا أن يقولوا في وجه الزيف: 

"أنا إنسان قبل كل شيء، وأنا أحبك، لأنني أرى فيك جرحًا يُشبه جرحي".  

هكذا فقط نفهم أن اللغة ليست حروفًا، بل عهدُ تمام، عهدُ شفاء، عهدُ حياة.


ورغم الظلام الذي يحيط بالعالم، أُجدّد في هذا النص عهدًا قديمًا جديدًا: أن نجعل من الحب سراجًا في دروب العتمة، ومن الكلمة جسرًا نحو المعنى، ومن الوعي يقظةً تُعيد للإنسان فطرته، لشعوبنا نبضها، وللغتنا روحها.  

أحمل في صدري يقينًا أن الشعلة التي أوقدناها هنا لن تنطفئ، لأن وقودها ليس الحطب، بل إنسانٌ أدرك أن الكلمة وطن، وأن القلب دليل أبدي.


وفي نهاية هذه الرحلة الفكرية الوجدانية، لا أدعوكم إلى حفظ الكلمات، ولا إلى وتوثيقها ، بل إلى عيشها؛ إلى أن نُعيد للكلمة هيبتها، وللحرف رسالته، وللروح معناها.  

لنتذكر أننا أبناء الضاد لا لأنها لغتنا، بل لأنها وطننا، وعهدنا، وجسرنا نحو إنسانية لا تنطفئ.  

وهكذا، تبقى الضاد ملحمةً للروح والكلمة؛ عهدًا لا ينكسر، ووطنًا لا يزول، وجسرًا أبديًا بين الإنسان ومعناه.


بكل الحب والوفاء 

بقلم:

د. محمد شعوفي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة