قصة حقيقية #المطلقة_العذراء

بقلم:#عماد_آل_شهزي 

لم تكن رنا قد أكملت الثانية والعشرين حين دخلت تجربتها التي ستغيّر مسار حياتها.

فتاة شقراء، رشيقة، جميلة، تحمل من الهدوء ما يشبه الهمس. معلمة في مدرسة أهلية، تعيش في بيت محافظ في الرمادي مع أم أرملة حملت ستة أبناء وحدها بعد رحيل زوجها المبكر. ورغم محدودية تعليم الأم، فإنها حملت حياةً كاملة فوق كتفيها لتربي أبناءها دون أن تسمح للفقر أن يمدّ يده إلى كرامتهم.

في عزاء والد رنا، ظهرت امرأة من بغداد، قريبتهم من طرف الأم، لكنها بعيدة كالأقارب الذين لا يزورون إلا في المناسبات. كانت تلك المرأة، والدة "عمر"، تراقب رنا بنظرة لا تُنسى.

مرت أسابيع… ثم طرقت باب بيتهم وهي محملة بالهدايا تطلب رنا لابنها.

عمر… شاب في السابعة والعشرين، جميل الملامح، ناعم الصوت، قليل الكلام، خجول إلى حد غير مألوف. خريج هندسة حاسبات، بلا عمل، لكن ينتمي إلى عائلة ثرية جدًا. أب طبيب، أم مديرة مدرسة متقاعدة تملك أسلوبًا في الكلام يجعل المقابل يستمع دون أن يجادل.

لم يكن أهل رنا يعرفون عنه الكثير، لكنه يبدو مؤدبًا ومن عائلة ذات سمعة حسنة. ولم يكن هناك ما يثير الشك. تمّت الخطوبة سريعًا، ثم الزواج أسرع.

لم تجلس رنا مع عمر منفردة ولا مرة واحدة؛ الخجل بينهما كان كجدار غير مرئي.

في ليلة الزفاف، كانت الغرفة صامتة بشكل غريب. لم يقترب منها… لم يتحادثا… كل منهما بدّل ملابسه في زاوية، ثم ناما كغريبين جمعهما سقف واحد.

تكررت الليلة الأولى في الثانية… وفي الثالثة… وفي الرابعة.

والدة عمر بدأت تضغط، توبخ ابنها على انفراد، تدفع رنا لتتقرّب منه أكثر بحجة أنه "خجول".

ورغم كل محاولاتها الناعمة، كان يبتعد.

كان يقضي وقته في غرفة خلفية حوّلها إلى ورشة لتصليح الحاسبات، ثم يأتي آخر الليل لينام دون أن ينظر في وجهها كثيرًا.

ستة أشهر مرت… ثم ثمانية… ثم تسعة.

ولم يحدث شيء.

كانت رنا تزور أهلها دائمًا برفقة والدة عمر، فلا تجد فرصة للبوح بشيء.

كانت ابنة محافظة، تخجل حتى من أن تتحدث مع أمها عن خصوصيات الزواج. تكتفي بابتسامة باردة وخيبة تختبئ في قلبها.

وفي ليلة اشتد فيها التوتر، نشب شجار بين عمر وأخيه الأصغر زيد.

كان صوت الجدال يملأ البيت.

ثم جاء الصوت الحاسم، الذي اخترق قلب رنا قبل أذنيها:

"قلت لكم لا أستطيع! أنتم جبرتوني على الزواج! ليست لدي أي مشاعر نحوها… ولا نحو أي فتاة!"

سقطت الجملة عليها كالسيف. لم تفهم كل شيء، لكن الباب انفتح على الحقيقة التي كانت تهرب منها.

في تلك الليلة، انتظرته.

قالت له بصوت مكسور:

"عمر… مرت شهور طويلة. لماذا لا تقترب مني؟ هل تكرهني؟"

انهار أمامها بالبكاء. واعترف.

أخبرها أنه يعاني عيبًا يمنعه من إقامة علاقة كاملة… لا يحب النساء… لا يشعر بشيء تجاه أي فتاة.

وأن زواجه منها كان خطأ فرضته أمه رغم اعتراض والده.

كانت الصدمة أقوى من قدرتها على الوقوف.

انهارت هي الأخرى بالبكاء:

"لماذا ظلمتموني؟ لماذا؟"

في اليوم التالي استدعت أمها. وحين سمعت الأم الحقيقة، ثارت كمن قُطع جزء من روحها.

واجهت والدة عمر بعاصفة من الغضب، وطالبت بالطلاق فورًا.

لكن والدة عمر لوّحت بالتهديد:

"إن فضحتم ابني… لن يطلق!"

وأصبحت رنا عروسًا معلّقة.

سنة وثمانية أشهر…

منها عشرة أشهر تحت سقف رجل لا يستطيع أن يكون زوجًا.

أخيرًا ذهبت رنا إلى المحكمة.

تنازلت عن كل حقوقها.

وحين أخبرها القاضي أنها لا تستحق متأخر الصداق لأنها ما زالت عذراء… أحست لحظةً أنها ليست مطلقة فحسب، بل مشطوبة من دفتر العمر.

خرجت مطلقة… وبريئة من تجربة كان يفترض أن تبدأ حياة، فإذا بها تسرق شبابًا كاملاً من قلبها.

----------

سنوات العزلة

بعد الطلاق، حاولت رنا أن تعود إلى حياتها القديمة. عادت إلى وظيفتها كمعلمة، وعادت إلى بيت أمها، لكن شيئًا ما كان قد انطفأ.

لم تعد تنظر إلى الزواج كما تنظر الفتيات.

صار الزواج بالنسبة لها بابًا مظلمًا… يطوي خلفه خوفًا أكبر من الوحدة.

أمها حاولت مرارًا إقناعها أن تجرب من جديد.

الخاطبون كانوا يطرقون الباب بين حين وآخر، رجال محترمون، موظفون، مثقفون…

لكن رنا كانت تهز رأسها بابتسامة لطيفة ثم ترفض.

لم تكن ترفضهم… كانت ترفض الماضي الذي يسير بجانبها كظل طويل.

مرت السنوات، وتغيرت ملامحها، وشابت خصلة هنا وخصلة هناك.

ومع كل عام يمرّ، كانت القناعة تتجذر بداخلها:

أن الزواج ليس طريقها، وأن قلبها لم يعد يحتمل تجربة جديدة.

حتى وصلت إلى الخامسة والخمسين.

امرأة جميلة رغم العمر، قوية رغم الجراح، وما زالت… عذراء.

ليس لأن القدر أراد ذلك، بل لأن تجربة واحدة كانت كافية لتجعلها تبني جدارًا بارتفاع العمر كله.

ومع ذلك، في داخلها شعلة صغيرة لم تنطفئ.

شعلة تريد حياة تستحق أن تُعاش…

حتى إن لم تحمل اسم "زواج".

في انتظار تلك اللحظة التي يلتقي فيها الإنسان بنسخة جديدة من نفسه، تبدأ حكاية أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة