صباح نوري ..مأساة اسم                       قصة قصيرة     .....                                                                          د. محسن الرديني                                                                                                    في يوم من سنوات الثمانينات ، كان ساعي البريد على عجالة من أمره لأن هناك مباراة كرة قدم بين البرازيل  ايطاليا  ضمن الدور قبل النهائي لكأس العالم ستنقل بعد نصف ساعة.                                                         لم يدقق كثيرا بعناوين أصحاب الرسائل خاصة من المتشابهين بالاسماء.

وعلى  وجه السرعة انطلق  راكبا دراجته الهوائية بين الازقة يطرق الابواب حتى وصل بيت صباح نوري محمد وسلم رسالة لنجله  وعاد مسرعا الى بيته بعد أن اكمل توزيع  الرسائل وشعر بالارتياح عندما دقق عدد الرسائل مع سجل الاستلام فوجده مطابقا، لكنه لم يعلم ما احدتثه جولة التوزيع هذه من امر مثير .                                 رجع  السيد نوري إلى منزله مساء وفتح الرسالة فوجد  ..                       أالى السادة المذكورين ادناه ،كان اسمه مرفقا بالقائمة، تهديكم مؤسسة  الإذاعة والتلفزة الوطنية اطيب تحياتها وتدعوكم  للحضور الى معهد التدريب الاذاعي والتلفزيوني في تمام الساعة كذا من يوم كذا لغرض المقابلة و الاختبار لدورة المذيعين والمذيعات. انتهت الرسالة . احتار الرجل بفحوى الرسالة ، فهو لم يراسل هذه المؤسسة اطلاقا ولا علاقة له بها قط ولم يتقدم للعمل كمذيع ، بل هو بانتظار جواب موافقة وزارة التعليم العالي على طلب ابتعاثه  لأوربا لاستكمال دراساته العليا .                                        في المساء ، ظهر  اعلان  رسمي من على شاشة التلفزيون يدعو فيها المتقدمين والمتقدمات الى التعيين بصفة مذيع في التلفزيون وكان  مرفقا به قائمة بالاسماء وكان اسم صباح نوري محمد ضمنها . فكر الرجل طويلا بالأمر، فالاسم الثلاثي هو اسمه كاملا لكن الغرض مختلف تماما ولذلك،  قاللا ضير ان ذهبت، فانا لم ار مؤسسة الإذاعة و التلفزة الوطنية ونجومها او مشاهير التلفزيون على الطبيعة ، ساذهب من باب الفضول ليس إلا .                                                  في اليوم ذاته الذي تسلم  فيه صباح نوري رسالة من دائرة التلفزة ، سلم ساعي البريد المسعجل عن طريق الخطأ رسالة إلى الانسة صباح نوري محمد ( خريجة اعلام ) من دائرة البعثات في وزارة  التعليم العالي لاجراء مقابلة حول متطلبات البعثة وشروطها . استغربت  ذلك لانها لم تتقدم باي ترشيح لبعثة خارج البلد ، بل تنتظر جوابا أو اعلانا تلفزيونيا من المؤسسة الوطنية للتعيين كمذيعة ربط فيها .                                                              في المساء ، اتصلت بها اختها الكبيرة لتزف لها البشرى بظهور اسمها  في اعلان بالتلفزيون عن موعد ومكان  مقابلة التعيين، وهنا طارت صباح فرحا وسعادة لكنها ظلت في حيرة كبيرة من أمرها ،كيف وصلت لها  رسالة من دائرة البعثات ولم تصلها  من دائرة التلفزة .                       في يوم المقابلات،             امتلأت قاعة معهد التدريب الاذاعي والتلفزيوني بالمتقدمين وبدأ موظف الإذاعة يتلو قراءة الاسماء ، فلان بن فلان ،فلان بن فلان ،صباح نوري محمد ، نعم  نعم ، انا انا ، نهض الاثنان معا فأصيب الموظف بالذهول فقال ، ما هذا !؟ عفوا سيدي ماسمك ؟ صباح نوري محمد ، وانت سيدتي؟                                انا صباح نوري محمد كذلك  .                                                              هل أنتما الاثنان متقدمان للعمل  كمذيعين ؟                       نعم ،  انا متقدمة .قالت الانسة صباح                      في حين اجاب  صباح بأنه غير متقدم.  فقال الموظف                           - اذأ لماذا يا سيدتي جئت للاختبار اصلا ؟ فقال صباح، لقد تسلمت رسالة بريدية منكم بهذا الخصوص، في حين  كنت انتظر رسالة دائرة البعثات وليس دائرة التلفزة لكن يبدو أن تشابه  الاسم بيني وبين  الانسة صباح وخطا ساعي البريد - جزاه الله خيرا - قد أحدثا هذه المصادفة السعيدة. فساد الضحك لهذا الموقف الطريف  فرد الموظف بلباقة  بإمكانك سيدي الان المغادرة ان شئت أو البقاء بضيافتنا على الرحب والسعة .ف هم صباح بالمغادرة لكنه تريث قليلا متأملا ما شاهده من اجواء مبهرة جميلة في التلفزيون وجمال المذيعات واناقتهن وعطورهن الفرنسية الآخذة  فاعجته الحال كثيرا  وقال في نفسه ان موضوع البعثة قد يتأخر وشروطها معقدة وصعبة وهي بعيدة المنال فهل يا ترى يمكنني العمل كهرباء المتقدمين كمذيعين خاصة وانا امتل مواصفات المذيع الناجح ، فسأل الموظف المسؤول  ان كان بإمكانه التقديم الان للاختبار مع الحاضرين؟ فأجابه الموظف بإمكانية ذلك كون التقديم  والاختبارات والتقديم لا يزالان مفتوحين .                      استمرت دورة اعداد المذيعين في المعهد ستة اشهر  كان فيها صباح نوري نجما لامعا وهو الوحيد من بين قرانه الذي يمتلك سيارة خاصة حديثة  . بعد ان تعرف على زميلته صاحبة الاشكال الجميل الذي جمعهما في هذا المكان الانسة صباح نوري محمد عرض توصيلها بسيارته الى دارها في طريقه كونهما يسكنان الحي ذاته اذا رغبت ،  ترددت في بداية الأمر ثم وافقت بفرح خفي  .                               نشأت علاقة  صداقة عميقة وثقة عالية بينهما تطورت الى حب متبادل غير معلن واصبحت الاهتمامات المشتركة كثيرة  واحيانا يتم خلق ظروفها عمدا .                    كانت  الانسةصباح تنتظر من صباح البوح لها بهذا الحب  الصامت ومصارحتها  كونه هو الرجل و الذي في الغالب هو من يبادر بالتعبير عن المشاعر كنه لم يفعل ربما خجلا وحياء اوخوفا  .          انتهت دورة الإعداد وتم تثبيت الاسماء وبدأ العمل الفعلي عندها طلبها المدير العام لمقابلته دون  معرفة الغرض من المقابلة  فعرض عليها الزواج مباشرة دون مقدمات ، لم تجبه حينها  بالرفض او القبول وخرجت . فتجمع حولها مباشرة  زملاؤها وزميلاتها مستفسرين عن سبب المقابلة المفاجئة. نظرت الى زميلها صباح نظرة عميقة فيها دلالات ومعان كثيرة فأطرق رأسه وشاح بعينه منها هاربا ولم يتكلم  فأحرجت  و حرجت مسرعة اذ.  ، لم يتخذ صباح اي خطوة ايجابية  نحوها وظل صامتا واصبح كالصنم، صم بكم، لم يفهم ماكانت تقصده بنظراتها له صمتا .                                  في اليوم التالي ، طلبها المدير مرة أخرى وكرر طلبه بالزواج فاجابت هذه المرة بالايجاب دون تمحيص في سيرة هذا الشخص .   كان المدير معروفا بعلاقاته النسائية المتعددة والتي بسببها  طلب منها ومن غيرها ممن يغريهن بالزواج ان تكون الخطوبة والزواج سرا بذريعة أن مركزه الوظيفي حساس جدا.                    لم تكتم صباح الأمر كما أراد المدير ،بل ،اخبرت  زميلاتها اللواتي تعرضن لذات الموقف  دون البوح بذلك فباركن لها ضاحكات فاستغربت فاخبرنها نيتهم تقديم استقالة جماعية بسبب سلوك هذا الشخص  فشعرت بالحرج فيما شعر صباح بانه قد خسر كل شيء تماما وأصبح كالطير يرقص مذبوحا  من الألم  وندم كثيرا لتردده في مفاتحتها واعترافه بحبه فكتب لها  قصيدة حزينة تشع رقة وعذوبة على غرار قصيدة انا وليلىحسن للمرواني قال فيها ...                                  مالي اذا صليت تاخذني تلك.               الوجوه بعيدا عن صلواتي.                          فاخطا العد في الركعات احسبها صارت رباعا وقد كانت مثنات          استغفر الله في نسيان لازمني.                          أو كان نقصا شديدا في عبادتي                            أحدث النفس كالمجنون يتبعني                   بعض الصبية يلقون الحجارات                            ما سال من جبهتي ادنى بمجمله                              ما ضر بالقلب من جرح واهات.                                   لم ترد عليه وأهملته.                          انتظرت صباح موقف المدير العام ان كان صادقا  فعليا ام لا  لكنه لم يتقدم لخطبتها او الزواج منها وأخذ يماطل بل،اخيرها ان كانت ترضى بعلاقة خاصة معه لا زواج فصفعته صفعة مدوية وخرجت  ومما زاد الطين بلة انه علم بافشائها سر الالاعيب القذرة معها  وزميلاتها  اللواتي أخبرتها  تعرضن لذات الموقف .                     اصبحت صباح تعاني من حالة نفسية سيئة جدا وانقطعت عن العمل مما أثار التساؤلات فانتشر الشائعات وهذا ما ازعجه كثيرا  فأصدر بحقها امر عقوبة الايقاف عن العمل وجاء في أمر  العقوبة .. استنادا الى الصلاحية المخولة لنا يتم إيقاف السيد ( نسي الطابعي كتابة التاء المربوطة من كلمة السيدة) لتصبح السيد  صباح نوري محمد لعدم الإلتزام بالتوجيهات الوظيفية وانقطاعها عن العمل . انتهى  . تم ابلاغ المذيع المسكين صباح نوري محمد بفحوى العقوبة فتفاجأ و استغرب الأمر وطلب مقابلة المدير العام الذي رفض مقابلته ففقد بذلك وظيفته دون ارتكاب  ذنب فرجع  بخفي حنين الى حالة الانتظار والترقب  وشريط الذكريات، فتذكر كيف جاءته رسالة التلفزيون بالخطأ وكيف احب من جرائها زميلته صباح دون أن يبوح لها فتنهد كثير  وبكى وكتب لها شعرا اخر مملوءا بالحكم والمواعظ أكثر من شعر قصيدته السابقة   ..                   لا تحسبي الجرباء خير صحيحة                           ان الصحيحة داؤها الجرباء                 وتمنعي عن فاحش قد  يرى في خلقه الفحشاء والنكراء                      أن جف نهرك لا ضمان وارده                          لا نفع بالنهر ان جف به الماء                         ان الحمامة ريشها لو هازلا.                      بانت بها العوجاء والعرجاء     .             فكتبت له رسالة جوابية  صادمة ...                      يا عزيزي استاذ صباح انتظرتك طويلا لكنك كنت جبانا رعديدا خائفا راجفا ولم تدافع عن حبك وتركتني فريسة فاصبح ينطبق عليك المثل "الثعلب الذي يطارد ارنبين  لن يصطاد اي منهما ". يعني  بالمثل العراقي ...                      لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي  .  تستاهل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة