المبالغـــــة «[1]»
بقلمي : د/علوي القاضي .
... جيل والدي كان جيلا محترما ، يخشى الله ويخاف من الحرام وغضب الله ، لذلك تربينا على الصدق والأمانة
... في طفولتي ، أعتدتُ أن أبتاع حلوي من بائعة تقف أمام المدرسة ، وذات مرة ، إكتشفتُ أنني أخذت قطعة زيادة (سعرها وقتها أقل من خمسة مليمات)
... عدتُ لها في اليوم التالي ، وقلت لها أنني أخذتُ قطعة حلوي زائدًة ، فابتسمت وهزّت رأسها قائلًة يا راجل ! ، ولوّحت بيدها
... ورغم أن الأمانة شيء جميل ، لكن تصرّفي لم يخلُ من المبالغة
... دعك من أنني كنتُ أشعر بالفخر والإعجابٍ بنفسي ، وكأنني من الصحابة ! ، واعتقدت أن البائعة ستحكي القصة للناس ، وتحدّثهم عن الطفل الذي يردّ الأمانة
... عدتُ إلى البيت شاعرًا أن الناس في الشارع يشيرون إلي بالبنان ، (هذا فتى الحلوى العظيم)
... هذا الموقف ذكرني بأمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه ، حين رأى رجلًا في السوق يحمل تمرة وينادي ، لقد وجدت تمرة ! فمن صاحبها ؟! ، فأشار إليه عمر وقال ، دعك من هذا الورع الكاذب ! ، (وفي رواية أنه قال ، (كُلها يا مدّعي التقوى !)
... عجبت لهذا الرجل الذي يُظهر كل هذه الأمانة من أجل تمرة ، بينما لو وجد كيسًا مليئًا بالمال ، لأخذه بلا تردد ، ولن يسأل عن صاحبه
... أستخلص أنه كلما كان الإختبار صعبًا ، أمكننا أن ندرك مدى صدق الشخص ونُبله وتربيته
... وهناك قصة متداولة على سبيل الحكمة والموعظة ، ﺩﺧﻞ الرجل على ﺯﻭﺟﺘﻪ وهي ﺗﺒﻜﻲ ، ولما سألها أجابت ، ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺼﺎﻓﻴﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﻓﻮﻕ الشجرﺓ ﺗﻨﻈﺮ إليها وهي تغير ملابسها
... مدحها الزوج على ﻋﻔﺘﻬﺎ ، ﻭﻗﻄﻊ ﺍﻟﺸﺠﺮﺓ ، ثم إكتشف بعد ذلك أن ﺯﻭﺟﺘﻪ تخونه ! ، فـ (أﺧﺬ حاجياته وترك ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ) ، ولما وﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﺪﻳﻨﺔ أخرى ، وجد ﺍﻟﻨﺎﺱ يتجمهرون أمام ﻗﺼﺮ ﺍﻟﻤﻠﻚ ، ولما سألهم ، ﻗﺎﻟﻮﺍ أن ﺧﺰﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺳُﺮﻗﺖ ، وشاهد ﺭﺟﻞ ﻳﺴﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺃﺻﺎﺑﻌﻪ ، ﻓﺴﺄﻝ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ؟! ، ﻗﺎﻟﻮﺍ ﻫﻮ ﺷﻴﺦ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ، ﻳﻤﺸﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺃﺻﺎﺑﻌﻪ ﺧﻮﻓﺎً ﺃﻥ ﻳﺪﻋﺲ ﻧﻤﻠﺔ فيكون قد عصى ﺍﻟﻠﻪ ! ، ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺟﻞ ، واﻟﻠﻪ ﻟﻘﺪ ﻭﺟﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ خذوني إلى اﻠﻤﻠﻚ ، فَلَمَّا وصل قال له ، أيها الملك إﻥ شيخ المدينة ﻫﻮ ﻣﻦ ﺳﺮﻕ ﺧﺰﻳﻨﺘﻚ ، ﻭإﻥ ﻛﻨﺖ ﻣﺪﻋﻴﺎً ﻓﺎﻗﻄﻊ ﺭﺃﺳﻲ
... ﻭﺑﻌﺪ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ مع شيخ المدينة إﻋﺘﺮﻑ فعلا ﺑﺎﻟﺴﺮﻗﺔ ! ، فسأل ﺍﻟﻤﻠﻚ الرﺟﻞ ، ﻛﻴﻒ ﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻪ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ ؟! ، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺮﺟﻞ ، ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﺣﺘﻴﺎﻁ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎً ﻓﻴﻪ ، ﻭﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎ ﺑﻪ ﻓﺎﻋﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﺗﻐﻄﻴﺔ ﻟﺠﺮيمة
... تحياتي ...
تعليقات
إرسال تعليق