✒️ محراب الصبر وسكينة المعنى:

{رحلة في بناء السلام الداخلي}


في زمن تتسارع فيه الخطى وتضيع فيه المعاني، أجدني أعود إلى محراب الصبر، أبحث عن سكينة لا يمنحها العالم، بل تنبع من أعماق الذات.


من عتبات التأمل الأولى، أكتب من محراب ذاتي؛ ذلك الركن الخفي الذي ألوذ إليه حين تضيق فسحات الوجود، وحين تمتلئ الروح بأسئلة لا يقولها اللسان.


أكتب لأتذكّر أنني لست ظلًا عابرًا في أرض الله، بل كيان يتشكل ويتسائل، يبحث عن معنى يتجاوز ضجيج الأيام.


هذه ليست بوح كلمات فحسب، بل محاولة صادقة لأُصغي إلى نبض الكون في صدري، وأنا أتتبع خيط السلام الذي يشق طريقه عبر عواصف الوجود.


هي دعوة لك أن ترافقني، لا كقارئ من بعيد، بل كروح تمشي بمحاذاة روحي، نقتسم الصمت والأسئلة في رحلة لا تحتاج لقاءً.


أعانق يقينًا خفيًا بأن الحياة ليست مجرد مسرح تتبدل فيه الأدوار والديكورات، بل هي صعود دائم نحو أنفسنا، نحو ذلك الجزء الذي نحاول أن نفهمه بينما يزداد كل يوم عمقًا وغموضًا.


أرى في هذه الرحلة امتحانًا لا تشبه شدته أي اختبار آخر. امتحان الصبر قبل كل شيء.


ذلك الصبر الذي لا يمنع السقوط، بل يمنحنا القدرة على النهوض كل مرة.


أن نرى في الليل الطويل فرصة لتأمل النجوم، وفي الألم درسًا يعلّمنا كيف ننضج بلا ضجيج.


أؤمن بأن كل شروق هو خطاب من السماء إلى روحي:  


"ابدئي من جديد، فالفجر لا يعرف اليأس."


وكل غروب هو حكمة تقول لي إن ما انتهى لم يكن لك أصلاً، وإن القادم أجمل إن أحسنتِ الاستقبال.


تعلمت ببطء الحكمة أن المسافات التي أقطعها داخل نفسي أهم بكثير من تلك التي تتباهى بها خطواتي أمام الناس.


فما قيمة إنجاز ينال تصفيق الآخرين إن حرمني من التصفيق لذاتي التي تعبت؟


لقد أيقنت أن السعي الأعمى نحو ما يبدو لامعًا قد يكون أشبه بسباق خلف سراب.


لذلك أسأل نفسي في كل منعطف:  


"هل تُشبع هذه الأهداف عطشي؟ أم تترك روحي أكثر جفافًا؟"


وأرى أن السعادة ليست غاية نبلغها، بل مقام نصل إليه حين نتصالح مع نقصاننا.


عندما نفهم أن العظمة تكمن في أن نكون بشرًا قادرين على السقوط كما نحن قادرون على النهوض.  


فأنا لست مشروعًا للكمال، بل لحنًا يتعلم النشيد من كل خطأ وصواب.


ولطالما شعرت بثِقَل المقارنات. ذلك السجن الشفاف الذي يخنق الروح دون أن يُرى، ويقيد الارتقاء الحر بأغلال المقارنة.


وحين تحررت منه، أدركت أن لكل روح توقيعًا لا يشبه غيره، وأن لكل منا سماءه الخاصة التي تُمطر عليه وحده.


أما الامتنان، فهو صلاتي التي لا تحتاج قبلة ولا طقوسًا.


هو أن أرى النور في وجه من أحب، وأن أحتفل بلحظة هدوء بعد معركة صاخبة، وأن أدرك أن كل حرمان هو درس يتخفى في قناع الفقد.


والصبر؟  

يا له من جناح يجعلني أطير دون ضجيج.  


درع هادئ يحمي هشاشتي، وقوة تبتسم في وجه ما ظننته نهاية.


به أعبر الوديان المعتمة، وبفضله أرى قمم الحكمة تلوح من بعيد.


إن إيماني لا ينبع من فراغ.  

أنا ابن سلالة جاهدت وصبرت ونهضت.  


وريث لحكمة الزمن التي تهمس:  


"الجبال لا تُولد عظيمة، بل تتشكل من صبر القرون."


وها في ختام هذا النهر الذي سال من عمق ذاتي، أعلن يقيني:  

أني هنا لأتعلم، لأحب، لأخطئ وأُصلح، لأترك أثرًا صغيرًا يذكّر العالم بأنني عبرت من هنا بقلب حي وروح صبورة.


سأعيش رحلتي هذه كهدية من الوجود، لا كعبء أركض للهرب منه.  


سأمضي بخطى خفيفة، بنية طيبة، وبقلب ممتن، وأُضيء ما استطعت من درب، مهما كان الضوء بسيطًا.


فاللحظة التي بين يدي الآن هي كل ما أملك.  


هي فرصتي الوحيدة لأكون أكثر صدقًا، أكثر صبرًا، وأكثر سلامًا.


وفي محراب الصبر، وجدت سكينة المعنى. 

 

وفي سكينة المعنى، وجدت نفسي.


وإلى أن يكتمل نشيدي، سأبقى أبحث عن نفسي في محراب الصبر، وأرتوي من نبع السلام الذي لا ينضب.


بقلم  

د. محمد شعوفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة