✒️ قانون القلب:

{حين يصبح العطاء طريق النجاة}. 


في عالمٍ يزداد فيه الصخب، ويُقاس فيه العطاء بالمقابل، ثمة قانون خفي لا يُدوَّن في الدساتير، بل يُكتَب في نبض القلب. 


قانون لا يُفسَّر بالمنطق، ولا يُقاس بالمعادلات، لكنه يُشعرنا بأننا أقرب إلى حقيقتنا كلما منحنا دون انتظار.


في تلك اللحظات التي أرتكن فيها إلى صمتي العميق، أشعر بأن الكون كلّه ينصت إليّ. هناك، في جوف الروح، تتلاشى الحدود بيني وبين الوجود، فأكتشف سرًا لطالما كان قريبًا مني، يرافق نبضي دون أن أدركه:  


سرّ العطاء الذي يفيض من القلب كأنّه قدرٌ مكتوب في لوح الخلق منذ الأزل.


أكتب هذه الكلمات بنبض القلب قبل مداد القلم، لأنني أدركت أن أعظم الرحلات ليست تلك التي تعبر الجغرافيا، بل تلك التي تعبر الداخل إلى حيث يقيم النور الأول.


لقد تعلّمت أن في الوجود قانونًا لا تفسّره الرياضيات ولا تحيط به الفيزياء، قانونًا يعلو فوق منطق التجارة والمقايضة.


أسميه قانون القلب. 


وهو ليس مصطلحًا فلسفيًا أو اقتراحًا فكريًا، بل تجربة حيّة ورفيقة درب تبث في روحي يقينًا لا يتزحزح:  


أن الخير الذي أزرعه بصدق لا يضيع.


رأيتُ بعين البصيرة كيف أن نية طاهرة واحدة تستطيع أن تفتح أمامي أبوابًا لم أتوقعها، وأن الأمنيات التي أبثها للآخرين تعود إليّ محمّلة بفرح مفاجئ لا يخضع لمعادلات البشر.


كل مرة تمنّيت فيها الخير بإخلاص، شعرت بأنني لا أرسل أمنية، بل أزرع بذرة نور في تربة الوجود.  


وكنت على يقين ثابت أن هذه البذرة ستحيا، حتى إن طالت سباتها.


فقد علّمتني حكمة العلي القدير أن الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة تلتقي فيها النوايا بنتائجها في اللحظة التي تناسب الروح لا الساعة.


أجل. 


هذا هو السر: 

أن العطاء ليس حركة منّي نحو الآخر، بل حركة منّي نحو ذاتي العليا.


عندما أنوي الخير، أشعر كأنني أتحرّر من كل ما يضيّقني، وأتخلّص من أثقال "الأنا" التي تقيس كل شيء بالمقابل.  


العطاء الخالص هو انعتاق من قيد الميزان، وسباحة في نهر لا يعرف الضفاف.


لقد أدركت أن الخير يشبه النهَر الجوفي الذي يشق طريقه بصمت، يسقي الحياة دون أن يطالب بجزاء.  


كل كلمة طيبة ألقيها في نهر الحياة تعود إليّ ماءً زلالاً يروي عطشي عندما أحتاجه.


وأعترف أنني كثيرًا ما وقفت عند حافة اليأس، متسائلًا:  


لماذا لا يعود الخير الذي أقدّمه في الوقت نفسه؟


لكنني فهمت في النهاية أن ما نظنه تأخيرًا هو في حقيقته إعدادٌ لنعمة أكبر.  


فما كان مكتوبًا لي، سيصلني كما يُرسل المطر إلى الأرض التي عطشت طويلاً، فيحييها وتخضرّ.


ومن هذا الإدراك الفردي، وُلد في داخلي وعيٌ أوسع، يتجاوزني إلى الإنسان في جوهره: 

 

أنا لست مفعولًا به في هذا الكون، بل شريك في خلق واقعي.


الخير الذي أرسله ليس مجرّد فعل عابر، بل موجة تصل إلى كل شيء، وربما تغيّر مصير روح لا أعرفها.  


وفي النهاية تعود لتُغيّر مصيري أنا أيضًا.


كم هو مدهش أن يتحوّل العطاء إلى نورٍ يبني الجسور بين الأرواح ويُذيب الجدران التي بنتها الخيبات.  


إنه الصدى الذي يعود مضاعفًا، فيحوّل العزلة إلى وصل، والألم إلى شفاء، والوحشة إلى ألفة مع كل ذرة حياة.


وها أنا أصل إلى الخلاصة التي تمخّض عنها هذا التأمل الطويل:

  

العطاء هو لغتي الأصلية كمخلوق من نفخة نور. 


حين أُعطي، فإنني أتذكّر من أكون.


لذلك، أختار أن يكون قلبي نبعًا لا ينضب، وأن أثق بأن كل نبضة خير هي رسالة نور أرافق بها العالم، وترافقني في كل منعطف.


أريد أن أكون شاهدًا على أن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يمتلك، بل بكثرة ما يمنح دون أن يفكّر ماذا سيأخذ.


إنني أدعو نفسي أولًا، ثم كل من يلتقط هذه الكلمات بروحه لا بعينيه، أن يعيشوا قانون القلب كناموسٍ للكينونة، لا شعارًا عابرًا.


ليكن عطاؤنا عبادة صامتة تحمل بصمتها نحو السماء.

  

ولننسج من لطفنا ما يُداوي الحزن في صدر إنسان لا نعرفه.  


ولنترك في دروب الحياة أثرًا من نور يشهد أننا مررنا هنا بقلبٍ طيّب.


لأن في نهاية الأمر، نحن لا نعيش إلا بقدر ما نُحيي الآخرين.

  

وفي هذا الاتصال تكمن خلاصتنا، وفي هذا السخاء تتجلى غاية وجودنا.


ليكن العطاء نبضي المتواصل، وليكن الحب نوري الذي لا يخبو، ففي هذا القانون وحده أجد سر سعادتي ومعنى رحلتي في هذا العالم.


وفي صمتي الأول كان العطاء همسًا،  

وفي ختام رحلتي صار نداءً لا ينطفئ.


بقلم:  

د. محمد شعوفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة