بقلم مها السحمراني

قصة حقيقية وليست خالية


كنت صغيرة والبيت يفيض بالحياة أمي بابتسامتها الدافئة ويدها الحنونة كانت تدير كل شيء تحلب الحليب من البقرة تخضه بالخضّاضة حتى يتحول إلى زبدة ولبن رائع وتخبز الخبز على الصاج وتملأ البيت بالحب والرائحة الطيبة

أبي رغم بعده عنا بسبب وظيفته كان يزورنا كل أسبوعين يومين إجازة يستثمرهما في زرع بذور الجوز واللوز والزيتون على شكل مشاتل لتصبح بعد سنة شجيرات تُغرس في الأرض كان يحضر الفلاح لحراثة الأرض كل موسم لكنه حاضر بروحه معنا يراقبنا جميعًا وعندما يجلس للراحة يتحدث معي وأخي وأختي عن صعوبة الحياة بعد النضوج لكننا لم نفهم حينها سوى ضحكنا ولعبنا في أروقة المنزل والحديقة ومشاركتنا في نقل خيرات الأرض

وجدتي بحكمتها وطريقتها الهادئة كانت تسرد لنا حكياتها وتجاربها وتغني لنا أغاني من التراث لم نفهم معناها إلا بعد أن نضجنا

في صباح كل يوم كان صوت الديوك والدجاج يملأ الفناء ونسيم الصباح يهمس في الأشجار بينما نركض نحن الأطفال بين الحدائق والبساتين غير مبالين بما يجري حولنا


مع حلول الربيع تستيقظ الأرض من سباتها وتتنفس أشعة الشمس الأولى وتفوح رائحة الزهور في كل زاوية يبدأ جني المواسم اللوز الأخضر يتلألأ بين الأغصان الدراق والخوخ والجنارك يلون الحقول والتفاح يتلألأ كحبات الجواهر كنا نركض بين الأشجار نملأ السلال بألوان الشمس والندى ونضحك ونحن نحاول الوصول إلى أعلى الأغصان

الجيران يأتون لمساعدتنا في قطاف أوراق العريش لتخزينها في الشتاء أو لتحضير وجبات دافئة تلف باللحم والأرز أمي تقودنا بحنان تعلمنا كيف نفرّق الأوراق النظيفة عن البالية وكيف نرتّبها في المرطبانات الزجاجية الكرم كان أكرم من صاحبه والأرض الواسعة والمليئة بالخيرات كانت تسمح بسخاء العطاء والفرح كان يتضاعف عند المشاركة مع الآخرين


مع اقتراب الصيف يبدأ حصاد القمح نصطحب السلال الكبيرة نحصد السنابل نفصل الحبوب عن القش ونشم رائحة القمح الطازج التي تتخلل كل ركن من أركان المنزل بعد الحصاد مباشرة يبدأ دور الكشك اللذيذ تصنعه أمي من اللبن واللبنة والبرغل الخشن يُخلط ويُترك ليختمر أسبوعًا أو أكثر ثم يُفرد على الشراشف ليجف وبعدها يُطحن ليصبح مسحوقًا جاهزًا لأطيب أطباق الكشك في العالم رائحة الكشك تملأ البيت قبل الطهي ويأتي الجميع لتذوقه ويعمّ الفرح المكان لاحقًا يكتمل الصيف بقطاف العنب والتين نتسلق الأشجار ونقطف الثمار بعناية ونتذوق العصارة الحلوة منها مباشرة ونحمل السلال إلى البيت لنشاركها مع الجيران والأهل فتغمر الروائح الحلوة البيت كله وفي الصيف أيضًا نصنع المربيات والملبن ودبس الطماطم نجلس معًا ساعات طويلة نحرك القدور ونراقب الخليط يتحول إلى طعم الحياة نفسه


مع حلول شهر أيلول يحين موعد قطاف الرمان نصعد الأشجار ونجمع الثمار بعناية نعد دبس الرمان الشهي وفي أواخر تشرين الأول نقطف الزيتون نحن والعمال ونعصره بمعصرة الزيتون ليصبح زيتًا أخضر يعبق رائحته كل أركان البيت كما كان علينا العودة إلى المدرسة بعد عطلة الصيف الطويلة الصباحات الباردة كانت تعانقنا ونحن نرتدي ملابس المدرسة نحمل دفاترنا وأقلامنا وبعد العودة من المدرسة نشارك الأهل أعمالهم في الحقول كل نبتة خضراء كانت حياة وكل ثمرة زيتون كانت تعلمنا الصبر والمثابرة وتذكّرنا بأهمية التعاون بين العائلة والجيران


مع قدوم الشتاء نجلس حول المدفأة نشعر بالدفء بينما تهب الرياح الباردة على النوافذ ندرس دروسنا بجد وفجأة تأتي أمي وهي تحمل الجوز واللوز والملبن نأخذ قسطًا من الراحة نضحك ونتذوّق ما لذ وطاب ثم نعود لإكمال دروسنا

وفي المساء بعد المدرسة أو بعد التعب نلتف حول أمي حاملين الأطباق لنتذوق القريشة الطازجة مع الزبدة الطرية كما لو كنا نتذوق طعم الأرض والحياة معًا نتعلم أن الحياة الحقيقية ليست في الأماكن البعيدة بل في تفاصيل البسيطة والصغيرة التي تصنع القلب والبيت والذاكرة معًا

وفي يوم الإجازة من المدرسة نلتف حول أمي التي تخبز المناقيش بالجبنة والقريش والكشك وجدتي التي تزورنا مرة كل شهر تقول لنا بحنان هيا يجب أن تأكلوا مناقيش القريش والكشك المغلفة بالزبدة قبل أن تبرد ونستمتع بالخبز الطازج والضحكات تتطاير في البيت وروائح الجبن والقريشة والكشك تملأ المكان بالدفء والسعادة

كما يأتي أيضًا دور ورق العريش المحشو باللحم والأرز في الشتاء لتصبح وجبة دافئة ومشبعة تجمع العائلة والجيران حول الطاولة وتذكّرنا بكرم الأرض وعطاءها


كل هذه الأعمال لم تكن مجرد طقوس زراعية كانت دروسًا عن الصبر والمشاركة والحياة نفسها كل حبة ثمر كل ورقة عريش كل سنبلة قمح وكل دقيق الكشك المحضّر بعناية وكل لقمة من الجوز واللوز والملبن وكل قضمة من المناقيش الساخنة كانت تعلمنا معنى العطاء والعمل المشترك وأن الطبيعة والمعيشة البسيطة هي أفضل مدرسة للحياة

وفي المساء بعد المدرسة أو بعد الحصاد نلتف حول الصاج نحمل القريشة على أطراف أصابعنا نغمسها بالزبدة الطرية ونتذوق طعم الأرض والشمس معًا ونستمتع بالكشك الساخن وورق العريش المحشو نتعلم أن الحياة الحقيقية ليست في الأماكن البعيدة بل في تفاصيل الريف الصغيرة التي تصنع القلب والبيت والذاكرة معًا


كانت الحياة أيام الطفولة مليئة بالحب والعمل والدفء لكن اليوم بعد التغير المفاجئ للأجيال وأيام الموبايل والتسكع في الشوارع أصبح الفشل حليفًا لعدد كبير من الشباب الفتيات يعاندن أهلهن بدون خوف أو مسؤولية والشباب يصلون إلى الأربعين بلا خبرة حقيقية بالحياة يطلبون المال من أهاليهم بطرق غير مباشرة بينما يستطيعون شراء أحدث الموبايلات وقضاء ساعات طويلة في الدردشة والتسلية دون أن يدركوا أنهم أنهوا جيلاً كاملاً من المسؤولية تبقى ذكريات الماضي كالنجوم التي تضيء قلوبنا لتعلّمنا أن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة في العمل الصادق وفي التواصل الصادق مع الأرض والأهل والجيران وليس في الشوارع المزدحمة أو شاشات الموبايل المضيعة للوقت والعمر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة