المقال الرابع والعشرون من سلسلة نهضة الأمة"بعنوان:

_______________________________

تجارب النهضة البحثية في ماليزيا وتركيا وكوريا ،ومدى فائدتها للأمة:

______________________________

 مقدمة:

يُعدّ البحث العلمي الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية، والسبيل الأقوم لبناء حضارة قوية متجددة، وقد أثبتت تجارب بعض الدول الحديثة أن الاستثمار في البحث العلمي ليس ترفًا فكريًا، بل هو طريق التحرر ،والتمكين. ومن أبرز هذه التجارب: ماليزيا، وتركيا، وكوريا الجنوبية، التي تحولت خلال عقود قليلة من دول نامية إلى دول متقدمة تنافس القوى الكبرى علميًا ،وصناعيًا.

________________________________

 أولًا: التجربة الماليزية – نهضة المعرفة، والتنمية المتوازنة:

حين تسلم مهاتير محمد قيادة ماليزيا في ثمانينيات القرن الماضي، وضع رؤية استراتيجية عُرفت باسم “رؤية 2020”، هدفها جعل ماليزيا دولة صناعية متقدمة قائمة على المعرفة.

ركزت هذه الرؤية على:

1. ربط الجامعات بالصناعة لتوجيه الأبحاث إلى خدمة الاقتصاد والتنمية.

2. الابتعاث العلمي المكثف إلى الدول المتقدمة، ثم إعادة الكفاءات لتقود النهضة.

3. إنشاء مؤسسات تمويل للبحث العلمي مثل “المعهد الماليزي للبحوث الصناعية”.

4. الاهتمام بالهوية الإسلامية، والإنسانية في التعليم، ليبقى التقدم متوازنًا أخلاقيًا وثقافيًا.

والنتيجة: تضاعف الناتج المحلي أكثر من خمس مرات خلال 30 عامًا، وتحولت الجامعات الماليزية إلى مراكز بحثية عالمية، تجذب الطلبة من أكثر من 150 دولة.

_________________________________

 ثانيًا: التجربة التركية – البحث العلمي في خدمة السيادة الوطنية:

بعد عقود من التبعية الاقتصادية، أدركت تركيا الحديثة بقيادة رجب طيب أردوغان أن التحرر السياسي لا يكتمل إلا بالتحرر العلمي والتكنولوجي.

فقامت الدولة بـ:

1. زيادة الإنفاق على البحث العلمي من 0.3٪ إلى أكثر من 1.2٪ من الناتج المحلي.

2. تأسيس وكالة دعم الابتكار والبحث العلمي (TÜBİTAK)، التي ربطت الجامعات بقطاع الإنتاج.

3. تطوير الصناعات العسكرية، والتكنولوجية مثل الطائرات المسيرة، والصناعات الدفاعية.

4. إطلاق برامج تعاون دولي، وبحوث مشتركة مع جامعات أوروبية، وآسيوية.

واليوم، صارت تركيا ضمن الدول الخمس الأولى في تصنيع الطائرات المسيّرة، وتصدر التكنولوجيا المتقدمة إلى عشرات الدول، مما يعزز استقلالها الاستراتيجي، والعلمي.

_________________________________

 ثالثًا: التجربة الكورية – معجزة البحث والإنتاج:

في خمسينيات القرن الماضي كانت كوريا الجنوبية من أفقر دول العالم بعد الحرب، لكن قادتها وضعوا خطة قومية شاملة عنوانها: “التعليم أولاً، البحث طريقنا إلى المستقبل.”

أبرز سمات النهضة الكورية:

1. تحالف بين الحكومة والقطاع الخاص لدعم الابتكار العلمي.

2. ربط نتائج الأبحاث بالتصنيع التجاري المباشر.

3. تشجيع ثقافة العمل والانضباط والإبداع منذ المراحل المدرسية.

4. تخصيص أكثر من 4٪ من الناتج القومي للبحث العلمي، وهو من أعلى المعدلات في العالم.

ونتيجة لذلك، تحولت كوريا إلى قوة صناعية في الإلكترونيات ،والاتصالات والسيارات، وأصبحت شركاتها مثل “سامسونغ” و“هيونداي” نماذج عالمية للإبداع البحثي التطبيقي.

______________________________

 رابعًا: الدروس المستفادة للأمة الإسلامية:

تُظهر هذه التجارب أن النهضة ليست حكرًا على الغرب، بل هي ثمرة إرادة سياسية جادة، واستثمار في العقول، وربط بين العلم والإيمان والعمل.

ومن أهم ما نستفيده:

1. ضرورة تحويل الجامعات العربية والإسلامية إلى مراكز إنتاج معرفي لا مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية.

2. زيادة الإنفاق على البحث العلمي ليصل إلى النسبة العالمية المعتبرة (2-4٪ من الناتج المحلي).

3. ربط التعليم برسالة الأمة الحضارية، فلا ينفصل العلم عن القيم أو الإيمان.

4. تشجيع الشباب على الابتكار، وتوفير البيئة الحاضنة للأفكار الجديدة والمشروعات الريادية.

5. تعزيز التعاون العلمي بين الدول الإسلامية، لتكوين قوة بحثية جماعية قادرة على المنافسة العالمية.

_________________________________

 خامسًا: نحو نهضة علمية إسلامية شاملة:

إن الأمة التي أبدعت في الماضي علم الطب والفلك والهندسة، قادرة اليوم أن تستعيد مكانتها إنْ أحسنت التخطيط والإدارة. فالعلم ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتمكين الأمة وإعمار الأرض وفق منهج الله.

وما نهضة ماليزيا وتركيا وكوريا إلا دليل على أن التقدم لا يعرف دينًا ولا لونًا، وإنما يعرف الجدّ والاجتهاد، وحسن استثمار العقول.

ولذلك فإن واجب الأمة اليوم أن تبني جبهة علمية قوية، تكون نواةً لعصرٍ جديد من النهضة الإسلامية الحضارية.

________________________________ خاتمة:

إن تجارب النهضة البحثية في ماليزيا، ،وتركيا وكوريا تمثل خارطة طريق للأمة الإسلامية، توضح أن الإيمان والعلم والعمل هي المفاتيح الثلاثة لأي نهضة حقيقية. فحين تمتلك الأمة مشروعًا علميًا مؤمنًا بقيمها، فإنها تستعيد مكانتها، وتشارك في قيادة الحضارة الإنسانية من جديد.

اللهم ارزق أهلنا في غزة الأمن والسلام ووسع عليهم يا كريم اللهم امين 

_________________________________

دعوة _تربية _نهضة أمة

معا وبكم نرتقي.

✍️ بقلم:

الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

__________________________


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة