وداعًا أو إلى لقاءب
قلم: عبد الفتاح حموده
جاءتني في ثوب جديد أضفى عليها جمالًا وروعةً، كأنني أراها لأول مرة. ولزمت الصمت لأنني أحسست أنها بهذه الروعة قد انسابت من بين أنامل حياتي وانصرفت في هدوء. وقفت أمامها كأنني لم أحزن لفراقها عني، على الرغم مما بداخلي من أحاسيس مزدوجة بالسعادة والحزن؛ سعادتي أنني أراها أمامي، وحزني لفراقها عني.
ماذا يفعل المرء إذا اختار امرأة بعينها لنفسه وأودعها كل مشاعره ثم وجدها على موعد مع رجل آخر؟ ثوبها الجديد واستخدامها المكياج والعطور كل هذا لم يكن لي، إنما كان للرجل الآخر!
ولا أعرف لماذا جاءت إليّ؟
هل جاءت لتطوي صفحتي؟
أم لتودعني؟
أم لتمنحني فرصة أخرى قبل أن يفوز بها غيري؟
أم هو عقاب لي لصمتي؟
أم أنها ترى أنني لم أفلح في احتوائها والحفاظ عليها فوجدت من أفلح في ذلك، وإلا ما اختارته ورأته أفضل مني؟
هل تسعد المرأة بأن يلتف حولها عدد من الرجال وتتباهى بذلك فيتسابق كل واحد منهم للوصول إليها فتختار من تريد؟ أما أنا فقد آثرت ألا أقحم نفسي في سباق نحوها، إذ إن لي شخصيتي ولابد أن أحافظ على كرامتي، وهي تعرف مكانتها عندي ولا حاجة لي لهذا التنافس، فأعود صفر اليدين أجر أذيال الخيبة فأفقد نفسي وتضيع كرامتي.
المرأة العاقلة هي التي تختار الشخص المناسب الذي تشعر أنه أصدق حسًّا وأنقى عاطفة وتضمن سعادتها معه. هل نسيت – أو تناست – أوقاتًا قضيناها؟ وذكرياتٍ عشناها؟ ولحظاتٍ سعدنا فيها؟ وأحلامًا حلمنا بها؟ وآمالًا تمنيناها؟ ومستقبلًا باسمًا ترقبناه؟ ألم تقل لي إنني أول وآخر رجل عرفته في حياتها، وإنني عالمها، وإنها أودعتني قلبها وأغلقت عليه وأعلنت الغيرة والأنانية وحب التملك؟ ألم… ألم…
أنا في منتهى الحيرة والإحساس بالدهشة من جراء تصرفها؛ فقد عادت إليّ والدموع تنهمر من عينيها، الكلمات تتعثر في فمها، واحمر وجهها. حتى ثوبها الجديد الذي كانت ترتديه بدا كأنه ثوب قديم، حتى المكياج الذي كانت تتجمل به امتزج بدموعها فأخذ شكلًا غريبًا. كانت تعيب عليّ صمتي، وها هي اليوم أكثر صمتًا وارتجافًا، لا تدري ماذا تقول.
عادت تجر أذيال الخيبة جراء اختيارها للشخص غير المناسب، تجاهلت من يكنّ لها المشاعر في صدق ونقاء، وفضّلت شخصًا آخر رأته لبقًا في حديثه فظنّت به خيرًا. لهثت وراء عبارات معسولة وأكاذيب وضعها بين يديها كأنها حقيقة.
لم أعرف ماذا أفعل لها؟ هل أجفف دموعها؟ هل أمحو عنها أثر فشلها وسوء اختيارها؟ هل أواسيها؟ من يحتاج إلى المواساة: هي أم أنا؟ كم من مرة قلت لها: أنت كموج البحر، تشعرينني كأن الدنيا كلها قد خلت إلا منى ، وأحيانًا تهيجين وتثورين وتعاملينني بغاية الجفاء والغلظة! ولهذا لم أشعر بمذاق الاستقرار؛ فإذا ظنت أنني مقصّر في حقها، فكيف لي أن أقف على أرضٍ تموج بالهزات واللااستقرار!
أجلستها وناولتها منديلا لتجفف دموعها، وبدأت أخفف عنها وأواسيها. وأحضرت لها مشروبًا باردًا فأمسكت به ويدها ترتجف يكاد الكوب يسقط من يديها فأمسكت به فلمست يدي يدها فرفعت رأسها تنظر إليّ كأنها تتوسل لي أن أغفر لها ما فعلته.
لا أعرف ماذا أفعل لها، ولكن أحاسيسي امتزجت بالحزن والفرح؛ حزني لما فعلته، وفرحتي بعودتها إليّ. وعندما وجدتها أمامي ببكائها وإحساسها بالندم رق قلبي لها وتعاطفت معها، ولكنني لم أستطع نسيانها، ولا أتصور حياتي بدونها. وما حياتي إن لم تكن فيها.
أمسكت بيدها ومشينا معًا…
تعليقات
إرسال تعليق