سجن العادات والتقاليد «[|]»
د/علوي القاضي .
... هذا السجن معنويا ومجازيا ، يصف كيف يمكن للعادات والتقاليد أن تقيد الأفراد وتحد من حريتهم وتطورهم ، حيث يواجه من يحاول الخروج عنها إنتقادات واتهامات ، لأن هذه العادات أصبحت قوانين بشرية تفرض قيودًا مدى الحياة وتؤدي إلى العزلة الإجتماعية لمن يتحدّاها ، وغالبًا ما تُستخدم هذه العادات ، خاصة عندما تصبح جامدة ، لفرض سلطة أو لحماية الأعراف المجتمعية ، حتى لو كانت هذه الأعراف تتعارض مع المصالح الفردية والتقدم ، ويُنظر إلى العادات والتقاليد كأنها قوانين صنعها البشر بأنفسهم ليحكموا بها على أنفسهم ، وتفرض قيودًا على الفرد ، وتمنعه من التعبير عن نفسه بحرية ، ويصبح الشخص الذي يخرج عن المألوف (شاذاً) أو معزولاً إجتماعياً ، وتواجه أي محاولة لتغييرها هجوماً وانتقادات قوية ، مما يجعل الخروج عنها صعباً للغاية ، مثل الأعراف التي تفرض زواجاً معيناً ، أو القيود التي تُفرض على النساء ، وكذلك إقامة إحتفالات باهظة الثمن قد تكون مرهقة مادياً لأصحابها ، وكذلك المعتقدات التي تحرم الخروج عن المألوف ، أو تُعرّض من يخرج عنه للخطر
... إذا كيف يمكن تجاوز هذا السجن ؟! ، يجب أولا على الأفراد أن يعوا بضرورة التغيير في بعض العادات والتقاليد ، خاصة تلك التي لا تتناسب مع متطلبات العصر أو تسبب ضررًا للمجتمع ، ويجب على الأفراد أن يكونوا قادة التغيير ، وأن يضعوا المستقبل نصب أعينهم ، ويجب أن تتم مراجعة العادات والتقاليد بشكل دوري ، وتقييمها بناءً على ما إذا كانت مفيدة أم ضارة للمجتمع ، ويسعى الأفراد إلى تغيير تلك العادات التي لا تعود بالنفع على المجتمع
... لذلك فإن العادات والتقاليد قوانين وضعها البشر حكموا من خلالها على أنفسهم بالسجن مدى الحياة ، فهى ظلت تتوارث على مر العصور وعند تفكير أحد فى الخروج عنها سوف يعرض نفسه لما لا يحمد عقباه
... عام 2021 ، مدينة (إيتاواه) بالهند كانت تستعد ، لليلة زفاف العروس (سوريهي) على عريسها (مانجيش كومار) ، لكنّ خلال الطقوس الهندوسية التقليدية ، وبعد لحظات من بداية المراسم ، إنهارت سوريهي فجأة أمام الجميع ، في البداية ظنّ الناس أنّها متعبة ، لكنّ الأمر كان أكبر ، هرع الأقارب وتوقفت الموسيقى ، وساد الصمت المروع ، أستُدعي الطبيب الذي أعلن خبر وفاتها بسكتة قلبية
... العريس مصدوم ، الأم تبكي وهي لا تصدّق ، والأب يحدّق في الفراغ ، وُضِع جثمان العروس في إنتظار الطقوس الأخيرة
... لكن الجميع دخلوا (سجن العادات والتقاليد) ، فاجتمع كبار العائلتين بقدر ما تحكمهم التقاليد القديمة والعقلية البدائية ، قال أحدهم ، (لقد جاء الناس من بعيد ، والعرس معدّ منذ أشهر ، ماذا سنفعل بكل هذا ؟!) ، واقترح آخر إقتراحًا لا يمكن لعقل متزن أن يتقبّله ، (لتتزوّج أختها الصغرى "نيشا" مكانها) ، ووافقت العائلتان ، بل أنّ أم الفقيدة ، توسّلت أن يُستكمل الزواج ، وكأنّ الحزن لا يملك الوقت ليتنفس ، والعريس ما بين الصدمة والضغط العائلي ، وافق أيضًا ، وهكذا ، وبينما كان جثمان (سوريهي) مسجّى في الغرفة المجاورة ، كانت أختها (نيشا) تُزيَّن بالحلي نفسها ، لتأخذ مكان أختها في الطقوس نفسها ، مع الرجل نفسه ، وفي الليلة نفسها
... تم الزواج وسط خليط من الحيرة والرهبة والدموع المكبوتة ، ثم بعد إنتهاء المراسم ، خرجوا ليمارسوا طقوس دفن (سوريهي) وفق العادات الهندوسية
... المشهد كله مثل تجسيدًا مرعبًا لـ (كيف يمكن للتقاليد أن تسلب من الإنسان إنسانيته) ، فالزواج تم بينما أختها لم تدفن ، ودموع الأم لم تجف
... مجتمعٌ يرى الزواج أهم من الفقد ، والمظهر أهم من المشاعر ، وهكذا تحولت الليلة إلى درسٍ مؤلم عن قسوة العادات حين تطغى على القلب والعقل
... تحياتى ...
تعليقات
إرسال تعليق