الشرخ العميق

وفاء صديقة عمري، تربطني بها علاقة حميمة منذ الصبا، ولم يكن زواجنا مانعًا لاستمرار علاقتنا، بل زاد من ارتباطنا، فكنا نلتقي جميعًا من وقت إلى آخر سواء داخل البيت أو خارجه.

واستمرت الأمور بيننا على هذا المنوال حتى حدث ما يعكّر صفوها، فقد تُوفي زوجي بشكل مفاجئ ونحن نقضي بعض الوقت على شاطئ العجمي بالإسكندرية، إذ شعر بألم شديد في صدره ومات أثناء نقله إلى أحد المستشفيات هناك.


لم تتركني وفاء لحظة واحدة منذ وفاة زوجي، وبذلت كل ما في وسعها لتخفيف شدة الحزن عني، ويكفي أنها أحبطت محاولات عديدة لانتحاري، فقد كان موت زوجي صدمة كبيرة لي، وكان من الصعب عليّ أن أتحملها لولا وقفة وفاء الجادة معي. ما كنت أعرف كيف تكون حياتي لولاها. ليس هذا فحسب، بل كانت تحث زوجها هو الآخر على مساعدتها في التخفيف عني.


ولم تجد وفاء وسيلة سوى أن تصحبني إلى الفيلا الخاصة بها في مرسى مطروح لإبعادي عن هذا الجو الحزين. وهناك قضينا بضعة أيام ما بين شاطئ البحر وجولة مساء كل يوم في شوارع البلد لشراء احتياجاتنا، ولعل تغيير المكان كان له الفضل في التخفيف من حدة حزني.


وبعد انتهاء المدة ألحّت وفاء عليّ بالبقاء معها في بيتها ريثما يعود زوجها من مهمته الخاصة بالعمل التي اضطرته للسفر إلى أحد البلدان لشراء بعض الأجهزة الخاصة بعمله.


ولما حان موعد عودة عصام من مهمته كان يجب أن أعود لبيتي، ولكن حدث ما لم يخطر ببالنا أبدًا.

عند انصرافي صاحبتني وفاء لتوديعـي، وعند النزول من الطابق الثالث الذي تقع فيه شقتها فجأة اختل توازنها وسقطت على الدرج وظلت تدور حول نفسها حتى وصلت إلى نهايته عند مدخل البيت. صرخت بأعلى صوتي ونزلت وراءها بسرعة أحاول إنقاذها، ولم أكف عن الصراخ من هول ما حدث إلا عندما وجدت عصام أمامي.


حملنا وفاء وأركبناها السيارة ووصلنا بها إلى أقرب مستشفى. وبعد الكشف عليها تبين وجود كسر في قدمها اليسرى وبعض الإصابات في الصدر والظهر، وقرر الطبيب وضع القدم في الجبس لمدة ثلاثة أسابيع وإجراء بعض العمليات الجراحية والضمادات اللازمة لها.


وكان لابد من بقائي بجوارها سواء في المستشفى أو بعد خروجها منها، وذلك للقيام على خدمتها ريثما تسترد صحتها. وفي البيت كنت أقوم بكافة الأعمال من إعداد الطعام والنظافة والغسيل… إلخ. كنت أعدّ لوفاء طعامها الخاص الذي أمر الطبيب به، وأعدّ طعامًا آخر لعصام ولي، ولأن وفاء تتناول طعامها وهي في فراشها بينما نتناول أنا وعصام الطعام على المائدة، كانت هذه هي المرة الأولى التي أخلو فيها أنا وهو، وإن كان ذلك في وجود وفاء.


ولا أعرف لماذا أحسست ببعض الاطمئنان لوجوده معي، وشعرت كأنني أنا وزوجي نتناول الطعام معًا. وأسعدني كثيرًا أنه قد أعجبه الطعام الذي أعددته، فقد لاحظت أنه يأكل بنهم شديد.


ولما أعددت الشاي ذهبت لوفاء فوجدتها نائمة، فتركناها وجلست أنا وعصام في الشرفة وطال بنا الوقت دون أن نشعر به، ولا أخفي عليكم سعادتي بكل هذا الوقت وتمنيت أن يطول بنا أكثر من ذلك.


في الصباح شعرت بغيرة شديدة وانتابني الحزن عندما رأيت عصام يدخل ليرى وفاء. ولعله لاحظ ذلك حيث فوجئت به يتصل بي هاتفيًا ويفهمني بطريق غير مباشر أن ما فعله حتى لا تشعر وفاء بأي شيء وتتأكد أن الأمور عادية تمامًا.


وقبل حضوره على موعد الغذاء كنت قد خلعت اللباس الأسود واستبدلته بثوب آخر، وحرصت على الاهتمام بمظهري وتسريحة شعري واستعمال بعض أدوات التجميل. وما أن شاهدني عصام حتى تعثرت العبارات في فمه ولم تفارق عيناه النظر إليّ، وقال لي هامسًا:

«كان فين ده كله يا أماني؟»


وجلسنا نتناول الطعام وهذه المرة جلس بالقرب مني، وبدأت أشعر أن علاقتي به قفزت قفزات سريعة. ولعل هذا الحس بأن عصام كأنه زوجي، ولعله هو الآخر أحس بنفس الإحساس. ولهذا كنت أنتظره بلهفة المشتاقة لرؤياه وأتهيأ لاستقباله فأبدو له في أبهى صورة، وأسعد بعباراته الرقيقة ونظراته المتلاحقة لي ومديحه المستمر لنوعية الطعام الذي أعده له في كل مرة.


وذات يوم طال بنا الوقت دون أن نشعر به، وهذه المرة كانت سعادتنا فوق أي مرة. لا أعرف أكثر من أنني أجلس إلى زوجي بالفعل، ولهذا جلس بالقرب مني ووضع يده على كتفي و…


فجأة هب عصام واقفًا وأسرع إلى غرفته، بينما وقفت أنا مكاني بلا حراك من هول المفاجأة، حيث فوجئت بوفاء ملقاة على الأرض بعد أن أعياها الزحف على جسدها لتصل إلينا. أسرعت إليها أساعدها على النهوض فإذا بها تنهرني بشدة وتبعدني عنها بقوة. ساعتها فقط أحسست بالجرم الذي فعلته وغلبني الإحساس بأن عصام بمثابة زوج لي، وأن المرأة إذا فقدت زوجها تشعر بأمسّ الحاجة لمن يعوضها عنه ويعيد إليها روحها التي افتقدتها.


شعرت بالندم الشديد لما فعلته وتمنيت لو كانت وفاء تركتني أقتل نفسي ولم تمنعني من ذلك.

أما هي فأجهشت بالبكاء وهي لازالت ملقاة على الأرض وقالت:

«لقد شعرت أن هناك ما يحدث بينك وبين زوجي عندما وجدتك تستبدلين ثوبك الأسود بثوب آخر، ورأيت مدى حرصك على العناية بمظهرك واستعمالك للعطور وأدوات التجميل…»

ولم أجد ما أقوله لها، كل ما سمعته من وفاء كان دافعًا قويًا لإيقاظ ضميري الذي نام هو الآخر وراء الإحساس بالاطمئنان إلى وجود عصام في حياتي كأنه زوجي.

أسرعت إلى حقيبتي ووضعت فيها كل أغراضي وغادرت المنزل وقلبي ينفطر حزنًا… ورحلت عن وفاء للأبد بعد الشرخ العميق الذي لحق بصداقه دامت سنوات طوال.

عبد الفتاح حمودة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة